وقد كان العصر الذي يعيش فيه إذ ذاك تتسلط عليه المحافظة فاتبع الكتاب طرائق السلف الصالح في الفكرة وأسلوبهم في التعبير، ولم تكن الكتابة غالبا إلا مدحا للخلافة وتعلقا بها؛ فلم يكن من أحد يفكر في قومية أو وطنية إلا ما يقال أحيانا عن الإمبراطورية العربية القديمة.
ولما اتسعت البعثات إلى أوروبا وجدت نهضة جديدة تدعو إلى التجديد في اللغة والأدب والاجتماع والسياسة والدين، ولكنها قوبلت بالاستنكار؛ فكان زعماؤها سعد ومحمد عبده وقاسم أمين ثم لطفي السيد وتلاميذه.
ولما تهذب ذوقه في المطالعة أقبل بشغف على قراءة مؤلفات المنفلوطي؛ فكانت نزعته «الرومانتيكية» الحلوة تملك عليه مشاعره، وأسلوبه السلس يسحره. وتفرغ للمطالعة وأشبع ميله إليها؛ حيث إن أخاه «إسماعيل» قد اضطلع بزعامة الأسرة وما يتبع ذلك من اتجاه إلى المحافظة على التقاليد العائلية وما تستلزمه من رسميات. وكان نصيب الشعر كثيرا في مطالعاته - الشعر بنوعيه العربي والإفرنجي وخاصة شعر المعاصرين - وكان يفضل ما هو خيالي مغرق في الخيال.
وقد استهوته المدرسة الأميركية التي تزعمها «جبران» ورفاقه بالمهجر؛ فقرأ «الأجنحة المتكسرة»، وتأثرت به أولى كتاباته، وجلها من الشعر المنثور ذي النزعة «الرومانتيكية». وقد قرأ «محمود» في مجلة «الفنون» لجبران وجماعته لونا جديدا من الأدب خارجا عن نطاق التقليد في الفكرة والقالب. وقد كان للقصة نصيب كبير في هذا الأدب «المتأمرك»، وهي حتى ذلك العهد بضاعة تكاد تكون غريبة عنا.
ولما ازداد بعث البعوث إلى أوروبا ضعف نفوذ هذه المدرسة، ونشر المبعوثون آراء جديدة للتجديد في كل شيء حتى الأدب، وكان ذلك إبان الحرب. وكان أخوه «محمد تيمور» من المبعوثين، فقابل «محمود» آراء أخيه في شيء كبير من الإعجاب والحذر معا.
وقد عرف من أخيه رغبته في إقامة أدب مصري يستوحي مادته من صميم نفوسنا وبيئتنا.
وحدث أن مرض «محمود» وهو في العشرين من عمره بمرض «التيفوئيد» ولزمه ثلاثة شهور، فعطله عن إتمام دراسته العليا التي كان قد بدأها.
وقد كان هذا الحادث بداية طور جديد في حياته الأدبية؛ فنقله من دور التردد إلى اليقين، ومن دور الهوادة في التحصيل إلى دور الإغراق فيه، وقد شعر بازدياد ميله إلى الأدب بعد شفائه، فخصص له دراسة منظمة.
وكان يستهدي في ذلك الوقت في مطالعته بهدي شقيقه «محمد»، فأرشده إلى «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي، ورواية «زينب» للدكتور هيكل، فرأى فيهما لونا جديدا من الأدب الواقعي يخالف اللون الرمزي والرومانتيكي الذي كان غارقا فيه.
وامتدح له أخوه «موباسان» الشاعر الأقصوصي الفرنسي فقرأ له وتأثر به كثيرا، واتسعت مطالعاته بعد ذلك في القصص الأوروبي. ثم انتقل إلى القصص الروسي فقرأ لتشيخوف وتورجنيف، فتأثر من هذه الناحية بعناصر الصدق والبساطة والإنسانية، وهي بارزة في الأدب الروسي وبها يتسم أدب تيمور وكتابته.
ولما وضعت الحرب أوزارها، وثارت في المصريين نزعة القومية اصطبغ الأدب باللون المحلي الصارخ، واتجه المصريون نحو الواقع؛ فأصبحنا عمليين بعد أن كان الكتاب شعراء خياليين. وقد شاع المسرح المحلي، وخاصة الهزلي منه، وانتشر الاقتباس، وبدأ الابتكار، وتضاءلت الترجمة. وألف «محمد تيمور» أقاصيصه «ما تراه العيون» نحا فيها نحو المذهب الواقعي، فأعجب بها محمود، وألف على غرارها قطعته الأولى القصصية «الشيخ جمعة»، وأتبعها بقطعة «يحفظ في البوسطة»، وسار متبعا المذهب الواقعي في كتابته متأثرا بالجو الجديد تاركا الشعر المنثور، ولم يكن يحفل بالأسلوب احتفاله بتصوير الواقع.
ولما توفي أخوه «محمد تيمور» أحس دافعا يدفع به إلى استكمال ما كانت تصبو إليه نفس شقيقه؛ فتقدم إلى ميدان التأليف وبدأ يكتب، فتجمع عنده حتى سنة 1925 مادة من القصص طبعها في كتاب تحت عنوان «الشيخ جمعة وقصص أخرى»، ثم أردفه بغيره.