وما نظمه الشعراء في أشعارهم من وصف المصورين كقول بعضهم في رسام وقد أورده الصفدي في «جلوة المذاكرة وخلوة المحاضرة»:
قلت لرسامكم
بك الفؤاد مغرم
قال متى أذيبه
فقلت حين ترسم
2
وقول برهان الدين الباعوني:
أفديه رساما رشيق معاطف
بجميع أوصاف الجمال قد اتسم
رسم العذار وقد بدا في خده
أني أموت به فمت كما رسم
وقول الصفدي في رسام أيضا:
أحببت ظبيا بالرسم مشتغلا
وحسنه فاق في ذوي الفهم
ألم يروا طرفه وصنعته
فيعروفوه بالحد والرسم
3
وقال فيه:
أحببت رسامكم فذبت به
واشتغل القلب منه واشتعلا
لا تنكروا قط لي ضنا جسدي
فإن هذا برسمه عملا
وقال في نقاش:
أحببت نقاش صاغة شهدت
له بفرط المحاسن الحور
وصاد قلب
4
الورى بناظره
فجفنه كاسر ومكسور
وقال فيه:
يا حسن نقاش كتمت صبابتي
في حبه لكن وجدي فاشي
إن كان عارضه يفسر لوعتي
لا تنكروا التفسير والنقاش
5
وقال في دهان:
ودهان أقول له ونفسي
من الوجد المبرح لم أجدها
ملكت جميع حسن في البرايا (فلو صورت نفسك لم تزدها)
6
ولبعضهم في دهان أيضا:
فديتك أيها الدهان لم ذا
تصور في دهانك ما دهاني
إذا انشقت سماء الحسن كانت
خدودك وردة مثل الدهان
7
وأنشد السبكي في طبقاته لمنصور ابن محمد الأزدي قاضي هراة:
طلع البنفسج زائرا أهلا به
من وافد سر القلوب وزائر
فكأنما النقاش قطع لي به
من أزرق الديباج صورة طائر
إلى غير ذلك مما لم تستحضره الذاكرة.
وذكر الخطيب في مقدمة تاريخ مدينة السلام شارعا ببغداد كان يسمى بشارع المصور، غير أنه لم يفصح عن اسمه، ولا ريب في أنه كان مشهورا بالبراعة في فنه حتى نسب إليه هذا الشارع. ويشبه قصة الجاحظ مع المرأة والصائغ ما رواه الداغستاني في «تحفة الدهر ونفحة الزهر من أهل العصر»، وقد ذكر القصة استطرادا في ترجمة السيد يحيى بن حسين هاشم فقال: يحكى عن ابن قزمان: أنه تبع إحدى الماجنات، وكان أحول فأشارت إليه أن يتبعها فتبعها حتى أتت به سوق الصاغة بإشبيلية، فوقفت على صائغ وقالت له: يا معلم مثل هذا يكون فص الخاتم الذي قلت لك عنه، تشير إلى عين ذلك الأحول الذي تبعها، وكانت كلفت ذلك الصائغ أن يعمل لها خاتما يكون فصه عين إبليس، فقال لها الصائغ: جيئيني بالمثال فإني لم أر هذا ولا سمعت به قط وحكاها بعضهم على وجه آخر أنها ذهبت إلى الصائغ فقالت: صور لي صورة الشيطان، فقال لها: ايتيني بمثال، فلما تبعها ابن قزمان جاءته به وقالت له مثل هذا، فسأل ابن قزمان الصائغ فأعلمه فخجل ولعنها.
وليس بين أيدينا عن هذا النوع من التصوير في الصحف أو الألواح - نصوص تبلغ في الكثرة مبلغ ما تقدم في الكلام على المصورين ذكر ثلاث صور إحداها «للكتامي» صور بها يوسف عليه يوسف السلام في الجب وهو عريان أبدع فيها والثانية «لابن عزيز» صور بها راقصة بثياب حمراء في صورة حنية صفراء من رآها ظن أنها بارزة من الحنية والثالثة «للقصير» صور بها راقصة بثياب بيضاء في صورة حنية سوداء كأنها داخلة في الحنية، ولا يخفى ما يستدعيه ذلك من البراعة في التصوير. وسيأتي أيضا في هذا الفصل ذكر بعض ألواح من القاشاني مصورة ولكنها على ما نرى تعد من نوع التصوير على الجدران لأن الغالب في القاشاني أن يلصق بها.
وذكر المسعودي وغيره صورة «لماني» القائل بالنور والظلمة - كانت متخذة للمأمون يمتحن بها القائلين بقوله فإذا بلغه خبر بعضهم - أحضره وأحضر له الصورة وأمره أن يتفل عليها ويتبرأ من صاحبها فإن فعل نجا وإلا علم أنه من شيعته فعاقبه. وحديث الطفيلي مع الزنادقة الذين اتهموا بهذه النحلة وحملوا إلى المأمون معروف فلا حاجة لذكره.
وهاكم أسماء من عثرنا عليهم من مصوري ملتقطة من عدة مصادر، ومرتبة على حروف المعجم،
8
بينهم من النوابغ الذين شهدت أخبارهم وآثارهم بتفوقهم في الفن: البصريون، وابن الرزاز، وابن عزيز، وابن العميد، والقصير، والكتامي، والأمير عز الدين مسعود، وبنو المعلم، والنازوك. والآخرون لم تفصح أخبارهم عن مبلغ قدرتهم الفنية أو كانوا من المتوسطين. وقد ذكرنا بينهم بعض من برع في ملحقات التصوير، كالتذهب و(التزميك).