تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن خطه في بعض مجموعاته: «اتفق لي أني بعد قضاء حجي توجهت مع الركب الشامي، فوصلت إلى «معان»، ثم لبلدة «الخليل» فأقمت بها نحو عشرة أيام، ثم توجهت إلى القدس الشريف، فنزلت بدار نقيبها السيد عمر أفندي، وكان معزولا عن نقابة الأشراف، ومن عادته الاحتفال بالموسم الموسوي وإطعام الفقراء، وقبل حلول الموسم بيومين أعيد إلى نقابة الأشراف، فنظمت قصيدة تهنئة له بعود المنصب:

الحمد لله على فضله

من بعد أن أشفق من محله

قد يطلب الحسناء من لم يكن

كفؤا لها للحمق في عقله

فمنصب المرء قرين له

والشكل مجذوب إلى شكله

وبقية القصيدة في الجزء الرابع من «الخطط التوفيقية»، جزء 4 ص29.

ثم سافر إلى «إستانبول» وأقام هناك مدة، وتأهل بها وأعقب ولم يبق عقبه، ولم يزل مشتغلا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة، وأقر له علماء عصره بالانفراد، وعقد مجلسا لقراء تفسير البيضاوي، وقد مضت مدة على هذا التفسير لا يقرؤه أحد، فحضره أكابر المشايخ والتفوا حول دروسه.

ولما حضر إلى مصر في سنة 1237ه «بطرس البستاني» مدحه بقصيدة، منها:

أما الذكاء فإنه

أذكى وأبرع من «إياسه»

أضحى «البديع» رفيقه

لما تفرد في «جناسه»

في أي فن شئته

فكأنه باني أساسه

وكتب عنه معاصره الشيخ محمد شهاب الشاعر قال: «كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء، وكان يزورنا ليلا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسر قراءته في وضح النهار فيقرأ فيه على ضوء السراج، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث عنده إلا أسبوعا أو أسبوعين ويعيده إلي وقد استوفى قراءته وكتب في طرره على كثير من مواضعه.»

وكان معاصرا له مؤرخ مصر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وقد ذكره في تاريخ لمناسبة إعادة الشيخ شامل أحمد رمضان إلى مشيخة رواق الطرابلسية وامتداح الشيخ العطار له، وكان صديقا له، بقصيدة أولها:

انهض فقد ولت جيوش الظلام

وأقبل الصبح سفير اللثام

وغنت الورق على أيكها

تنبه الشرب لشرب المدام

والزهر أضحى في الربى باسما

لما بكت بالطل دمع الغمام

مشيرا إلى أنها من قصيدة في ديوان الشيخ جاء في آخرها:

بشراك مولانا على منصب

كان له فيك مزيد الهيام

وافاك إقبال به دائما

وعشت مسعودا بطول الدوام

فقد رأينا فيك ما نرتجي

لا زلت فينا سالما والسلام

وعندما وصف الجبرتي النكبة التي حلت بالأزبكية ودورها المحرقة بالبركة وبأطرافها عند احتلال الفرنسيين قال: «وصارت كلها تلالا وخرائب كأنها لم تكن مغنى صبابات، ولا مواطن أنس ونزهات»، واستشهد بقول العطار في وصفها إبان ازدهارها، وهذه عبارته (ص37، ج3، الجبرتي):

وفيها يقول صديقنا العلامة والنحرير الفهامة حسن العطار حفظه الله: «وأما بركة الأزبكية فهي مسكن الأمراء ومواطن الرؤساء، قد أحدقت بها البساتين الوارفة الظلال، العديمة المثال، فترى الخضرة في خلال تلك القصور المبيضة كثياب سندس خضر على أثواب من فضة، يوقد بها كثير من السروج والشموع، فالأنس بها غير مقطوع ولا ممنوع، وجمالها يدخل على القلب السرور، ويذهل العقل حتى كأنه من النشوة مخمور، ولطالما مضت لي بالمسرة فيها أيام وليالي، هن سمط الأيام من يتيم اللآلي، وأنا أنظر إلى انطباع صورة البدر في وجناتها، وفيضان لجين نوره على حافاتها وساحاتها، والنسيم بأذيال ثوب مائها الفضي لعاب، وقد سل على حافاتها من تلاعب الأمواج كل قرضاب، وقام على منابر أدواحها في ساحة أفراجها مغردات الطيور، وجالبات السرور، فلذيذ العيش بها موصول.»

وكانت روضة مصر في عصره مزدهرة، وحولها دور العظماء والعلماء، وندواتهم ومكتباتهم ومتنزهاتهم، وفيها يقول العطار:

بالأزبكية طابت لي مسرات

ولذ لي ببديع الأنس أوقات

حيث المياه بها والفلك سابحة

كأنها الزهر تحويها الممرات

وقد أدير بها دور مشيدة

أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديثص ٤