لما أتيت معرة النعمان
وسألت من غفر الخطايا أنه
يهدي إليه رسالة الغفران
قلت: وقبره معروف إلى اليوم، أي سنة 1327 بالمعرة، ولأهلها اعتقاد كبير فيه، ويزعمون أن الماء إذا بيت في قارورة عند قبره، وشربه في الغد صبي به حبسة في لسانه، أو بلادة في ذهنه، زال ذلك عنه ببركة أبي العلاء.
ونقل ياقوت في «إرشاد الأريب» عن ابن الهبارية، أن السبب في وفاة أبي العلاء مكاتبات جرت بينه وبين أبي نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر، دعت إلى الأمر بإحضاره إلى حلب، ووعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أنه يحمل للقتل أو الإسلام سم نفسه فمات. قال ياقوت: وقد ظفرت بتلك الرسائل، فلم أجد بها ما يدل على ما ذهب إليه ابن الهبارية. انتهى. وأقول: هذه الرسائل هي التي لخصها ياقوت في كتابه المذكور، وقد ظفرت بها أنا أيضا، وهي عندي تامة في نسخة مخطوطة، وليس فيها شيء من ذلك. وبعد فأي إسلام كان يريده منه داعي الدعاة، وهو رئيس الباطنية في الدولة الفاطمية، والداعي إلى مذهبهم، ونحلة القوم معروفة لا تحتاج لبيان. ومن راجع دعواتهم في خطط المقريزي علم كيف كانوا يأخذون الداخل في مذهبهم بتشكيكه في دينه أولا، ثم الخروج به رويدا رويدا من الإسلام، حتى ينتهوا به إلى الإلحاد. فهل كان ما عليه هؤلاء القوم هو الإسلام في نظر ابن الهبارية حتى يتبجح بهذه الدعوى؟
وكان - رحمه الله - قصير القامة، نحيف الجسم ضعيفه، مشوه الوجه بآثار الجدري، ومني في آخر عمره بالإقعاد، ولما مات ختم عند قبره في أسبوع واحد مئة ختمة، وفي رواية: مئتان، واجتمع عليه خلق كثير، وأنشد أربعة وثمانون شاعرا مراثيهم فيه. منها قصيدة طويلة لتلميذه علي بن همام، يقول فيها:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة
فلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيرت ذكرك في البلاد كأنه
مسك تضمخ منه سمعا أو فما
وترى الحجيج إذا أداروا ليلة
ذكراك أوجب فدية من أحرما
قال ياقوت: كأنه يقول إن ذكرك طيب، والطيب لا يحل للمحرم، فتجب عليه فدية. ورثاه أبو الرضى عبد الرحمن بن نوت المعري بقصيدة نذكر منها ما وقفنا عليه في «الكوكب الثاقب» لعبد القادر السلوي، وهو:
سمر الرماح وبيض الهند تشتور
في أخذ ثأرك والأقدار تعتذر
والدهر فاقد أهل العلم قاطبة
كأنهم بك في ذا القبر قد قبروا
فهل ترى بك دار العلم عالمة
أن قد تزعزع منها الركن والحجر
والعلم بعدك غمد فات منصله
والفهم بعدك قوس ما له وتر
ورثاه الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري بقوله:
العلم بعد أبي العلاء مضيع
والأرض خالية الجوانب بلقع
أودى وقد ملأ البلاد غرائبا
تسري كما تسري النجوم الطلع
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى
أن الثرى فيه الكواكب تودع
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه
أن الجبال الراسيات تزعزع
وعجبت أن تسع المعرة قبره
ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع
لو فاضت المهجات يوم وفاته
ما استكثرت فيه فكيف الأدمع
تتصرم الدنيا وتأتي بعده
أمم وأنت بمثله لا تسمع
لا تجمع المال العتيد وجد به
من قبل تركك كل شيء تجمع
وإن استطعت فسره بسيرة أحمد
تأمن خديعة من يغر ويخدع
رفض الحياة ومات قبل مماته
متطوعا بأبر ما يتطوع
عين تسهد للعفاف وللتقى
أبدا وقلب للمهيمن يخشع
شيم تجمله فهن بلحده
تاج ولكن بالثناء يرصع
جادت ثراك أبا العلاء غمامة
كندى يديك ومزنة لا تقلع
ما ضيع الباكي عليك دموعه
إن الدموع على سواك تضيع
قصدتك طلاب العلوم ولا أرى
للعلم بابا بعد بابك يقرع
مات النهى وتعطلت أسبابه
وقضى التأدب والمكارم أجمع
| هوامش
| فصل في نشأته وطلبه العلم ورحلته
نشأ بالمعرة، وأخذ النحو واللغة عن أبيه، وعن محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، وحدث عن أبيه وجده. ثم رحل إلى بغداد، فسمع من عبد السلام بن الحسين البصري. هكذا ذكر السيوطي في بغية الوعاة، قال: وقد أسندنا حديثه في الطبقات الكبرى، وله ذكر في جمع الجوامع. وذكر غيره أن أبا العلاء لما قدم بغداد، قصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي ليأخذ عنه، فلما أراد الدخول عليه، قال الربعي: ليدخل الإصطبل! فخرج مغضبا ولم يعد إليه. والإصطبل بلغة أهل الشام: الأعمى. قلت: وهي لفظة معربة، ذكرها الخفاجي في شفاء الغليل، قال: ولذا قال ابن عباد: جروا الإصطبل في قصته مع المعري. ولعل الخفاجي أراد المرتضى، ووهم فذكر ابن عباد. وستأتي القصة.