أبا العلاء يا ابن سليمانا
إن العمى أولاك إحسانا
لو أبصرت عيناك هذا الورى
ما أبصرت عيناك إنسانا
انتهى كلام الشيخ. والبيتان الأولان اختلفوا في قائلهما، فنسبهما الصفدي في شرح لامية العجم (ج2، ص384) لأبي العلاء كما ذكر الشيخ، ولكن روايته: «ما في الوجود» بدل «ما في الأنام».
ونسبهما الشريشي في شرح المقامات لبشار بن برد، وروايته: «ما في البلاد»، ونسبهما الوطواط «في الغرر والعرر ص161» لأبي العيناء، وروايته: «والله ما في الأنام حر»، والله أعلم.
والبيتان الآخران لم أجدهما في شعر أبي العلاء، ولعلهما من شعره المفقود. فإن قيل: كيف كان يحمد الله على العمى، وهو القائل في عكسه يتمنى الإبصار:
فليت الليالي سامحتني بناظر
يراك ومن لي بالضحى في الأصائل
فلو أن عيني متعتها بنظرة
إليك الأماني ما حلمت بغائل
قلنا: ليس هذا من التناقض في شيء، ولكل مقام مقال؛ لأنه أبان في الأول عن مذهبه ورأيه في الوجود، وجرى في الثاني على طريقة الشعراء في مدائحهم؛ إذ كان المقام يقتضيه. ومن هذا تعلم فرق ما بين شعريه في سقط الزند واللزوميات، لاختلاف المقامين وتباين الوجهتين. وإن صحت نسبة البيتين السابقين لأبي العيناء كما ذكر الوطواط، فقد جرى على مثل هذا أيضا في قوله للمتوكل وقد سأله عن أصعب ما مر عليه في فقد بصره، فقال له: فقدي لرؤيتك يا أمير المؤمنين.
ومن قول أبي العلاء في عماه، وهو مما رواه له الصفدي:
سواد العين زار سواد قلبي
ليتفقا على فهم الأمور
يشير بذلك إلى أن العميان عوضوا عن البصر الذكاء وسرعة الحفظ. وقريب منه ما ينسب لسيدنا عبد الله بن عباس، وكان أصيب في بصره في آخر عمره:
إن يأخذ الله من عيني نورهما
ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل
وفي فمي صارم بالقول مشهور
وغاية الغايات في هذا الباب قول بشار بن برد فيمن عيره بالعمى، وإن كان من غير هذا المعنى:
وعيرني الأعداء والعيب فيهم
وليس بعار أن يقال ضرير
إذا أبصر المرء المروءة والتقى
فإن عمى العينين ليس يضير
رأيت العمى أجرا وذخرا وعصمة
وإني إلى تلك الثلاث فقير
ومن طرائف أبي العلاء أنه لما فرغ من تصنيف كتابه اللامع العزيزي في شرح ديوان المتنبي، وقرئ عليه، أخذ الجماعة في وصفه، فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
وكان أبو حزم مكي بن ريان المقري الضرير الملقب بصائن الدين يتعصب لأبي العلاء، ويطرب إذا قرئ عليه شعره للجامع بينهما من العمى والأدب، فسلك مسلكه في النظم. كذا ذكر ابن خلكان نقلا عن ابن المستوفي.
وتوفي - رحمه الله - يوم الجمعة، ثالث، وقيل ثاني، وقيل ثالث عشر ربيع الأول، سنة 449 بالمعرة، في خلافة القائم العباسي، وله من العمر نحو ست وثمانين سنة، ومرض ثلاثة أيام، ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا عني. فتناولوا الدوي والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال لهم القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت. فمات من غده، ودفن في ساحة من دور أهله. قال القفطي: أتيت قبره سنة خمسين وست مئة، فإذا هو في ساحة من دور أهله وعليه باب، فدخلت فإذا القبر لا احتفال به، ورأيت عليه خبازى يابسة، والموضع على غاية ما يكون من الشعث والإهمال. وقال الذهبي: وقد رأيت قبره بعد مئة سنة من رؤية القفطي، فرأيت نحوا مما حكى. انتهى. ويقال إنه أوصى أن يكتب عليه:
هذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
ونقل الصفدي عن خط علاء الدين الوداعي، قال: زرت قبره بالمعرة - رحمه الله تعالى - في ربيع الأول سنة تسع وسبعين وست مئة، ولم أر عليه شيئا من ذلك، وقد دثر ولصق بالأرض، وعملت هذين البيتين:
قد زرت قبر أبي العلاء المرتضى