تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر أبو الفداء أنه دخل بغداد واستفاد من علمائها، ولم يتلمذ لأحد أصلا، وهو يخالف ما ذكره السيوطي وابن خلكان وغيرهما. وكان قد رحل أولا إلى طرابلس، وبها خزائن كتب موقوفة؛ فأخذ منها ما أخذ من العلم، ثم رحل إلى بغداد سنة 398 فأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى المعرة وأقام بها إلى وفاته. وقول ابن خلكان إنه دخل بغداد سنة 398، ودخلها ثانية سنة 399، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، لا يستقيم مع ما سيرد عليك في فصل مؤلفاته، من تصريحه عن نفسه أن رجوعه إلى المعرة ولزومه منزله كان سنة 400.

وقبل قدومه إلى المعرة بمدة يسيرة ماتت أمه، وأصيب في مال له، فرثاها بقصيدة ميمية طويلة، وأخرى بائية، وكتب إلى بغداد يخاطب صديقه وتلميذه القاضي أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي بقصيدة ضمنها أغراضا يقول فيها معتذرا عن مفارقته العراق:

أثارني عنكم أمران: والدة

لم ألقها، وثراء عاد مسفوتا

1

أحياهما الله عصر البين ثم قضى

قبل الإياب إلى الذخرين أن موتا

لولا رجاء لقائيها لما تبعت

عنسي دليلا كسر الغمد إصليتا

2

ولا صحبت ذئاب الإنس

3

طاوية

تراقب الجدى في الخضراء مسبوتا

4

ولما استقر بالمعرة لزم داره، وشرع في التصنيف والإفادة، وأخذ عنه الناس، وقصده الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، وسمى نفسه: «رهن المحبسين»، يعني: حبس نفسه في المنزل، وحبس بصره بالعمى.

وما فتئ وهو بعيد عن بلده، يحن إليه ويشتاقه، ويذكره في شعره، وفيه يقول:

سرى برق المعرة بعد وهن

فبات برامة يصف الكلالا

شجا ركبا وأفراسا وإبلا

وزاد فكاد أن يشجو الرحالا

بها كانت جيادهم مهارى

وهم مردا وبزلهم فصالا

وقال:

فيا برق ليس الكرخ داري وإنما

رماني إليه الدهر منذ ليل

فهل فيك من ماء المعرة قطرة

تغيث بها ظمآن ليس بسال

وقال أيضا:

متى سألت بغداد عني وأهلها

فإني عن أهل العواصم سآل

وماء بلادي كان أنجع مشربا

ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال

على أنه لما أزمع الرحلة من بغداد، عز عليه فراقها، وفراق أودائه فيها، فقال من قصيدة يجيب بها أبا علي النهاوندي:

وردنا ماء دجلة خير ماء

وزرنا أشرف الشجر النخيلا

وزلنا بالغليل وما اشتفينا

وغاية كل شيء أن يزولا

ونظم في توديعها قصيدة يقول فيها:

أودعكم يا آل بغداد والحشا

على زفرات ما ينين من اللذع

وداع ضن

5

لم يستقل وإنما

تحامل من بعد العثار على ظلع

فبئس البديل الشام منكم وأهله

على أنهم قومي وبينهم ربعي

ألا زودوني شربة ولو أنني

قدرت إذا أفنيت دجلة بالجرع

وأنى لنا من ماء دجلة نغبة

على الخمس من بعد المفاوز والربع

وقال من أخرى:

لقد نصحتني في المقام بأرضكم

رجال ولكن رب نصح مضيع

فلا كان سيري عنكم رأي ملحد

يقول بيأس من معاد ومرجع

أي: لا كان سيري عنكم ذهابا بلا إياب. أخرجه مخرج الدعاء.

| هوامش

| فصل في تلاميذه

قرأ على أبي العلاء ببغداد والمعرة كثيرون، واشتهر جماعة منهم بالاختصاص به، والانتساب إليه في العلم؛ كأبي المكارم عبد الوارث بن محمد الأبهري، وأبي تمام غالب بن عيسى الأنصاري، والخليل بن عبد الجبار القزويني، ومحمد بن أحمد بن أبي الصقر الأنباري، وغيرهم. وممن روى عنه: القاضي أبو القاسم علي بن القاضي المحسن بن القاضي التنوخي، وكان من أقرانه، أخذ عنه وهو ببغداد، وصحبه، واتصلت صحبته بالتبريزي بسبب أبي العلاء. ولد القاضي المذكور سنة 365 بالبصرة، كما في «وفيات الأعيان» لابن خلكان، أو في سنة 355 كما في «فوات الوفيات» لابن شاكر، والأول أصح. وتوفي سنة 447، قبل وفاة أبي العلاء بنحو سنتين. وكان صدوقا في حديثه، وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، ولم يزل على ذلك مقبولا إلى آخر عمره، وتولى قضاء عدة نواح، منها المدائن وأعمالها، وأذربيجان والبردان وغير ذلك. وكانت فيه دعابة؛ يروى أن إسكافا اجتاز بداره وهو نائم، فصاح شراك النعال وأزعجه بصياحه، فقال لغلامه: اجمع كل نعل في الدار وأعطها لهذا يصلحها ويشتغل بها، ثم نام واشتغل الإسكاف بإصلاحها إلى آخر النهار، فلما كان في اليوم الثاني فعل كذلك، ولم يدعه ينام، فقال للغلام: أدخله، فلما دخل قال له: أمس أصلحت كل نعل عندنا، واليوم تصيح على بابنا، هل بلغك أننا نتصافع بالنعال ونقطعها؛ يا غلام، قفاه.

أبو العلاء المعري · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٧