تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمات أكثر أعدائي من الفرح

ورثى أبو العلاء والده بقصيدة نونية أولها:

نقمت الرضا حتى على ضاحك المزن

فما جادني إلا عبوس من الدجن

وسنورد مختارها عند الكلام على منظومه. «أخوه أبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان»، كان أسن من أبي العلاء، ومن شعره في الزهد:

كرم المهيمن منتهى أملي

لا نيتي أجر ولا عملي

يا مفضلا جلت فواضله

عن بغيتي حتى انتهى أجلي

كم قد أفضت علي من نعم

كم قد سترت علي من زلل

إن لم يكن لي ما ألوذ به

يوم الحساب فإن عفوك لي «أخوه أبو الهيثم عبد الواحد بن عبد الله بن سليمان»، كان شاعرا كأبيه وأخويه أبي المجد وأبي العلاء، ومن شعره:

قالوا نراه سلا لأن جفونه

ضنت عشية بيننا بدموعها

ومن العجائب أن تفيض مدامع

نار الغرام تشب في ينبوعها

وله في الشمعة:

وذات لون كلوني في تغيره

وأدمع كدموعي في تحدرها

سهرت ليلي وباتت لي مسهرة

كأن ناظرها في قلب مسهرها

قلت: ومهما قيل في الشمعة، فليس لقصيدة القاضي ناصح الدين الأرجاني ضريب في هذا الباب، فقد بذ بها من تقدمه وأعيا من بعده؛ إذ يقول:

نمت بأسرار ليل كاد يخفيها

وأطلعت قلبها للناس من فيها

سفيهة لم يزل طول اللسان لها

في الحي يجني عليها ضرب هاديها

غريقة في دموع وهي تحرقها

أنفاسها بدوام من تلظيها

تنفست نفس المهجورة ادكرت

عهد الخليط فبات الوجد يبكيها

يخشى عليها الردى مهما ألم بها

نسيم ريح إذا وافى يحييها

كأنها غرة قد سال شارخها

في وجه دهماء يزهاها تجليها

أو ضرة خلقت للشمس حاسدة

فكلما حجبت قامت تحاكيها

لها غرائب تبدو من محاسنها

إذا تفكرت يوما في معانيها

فالوجنة الورد إلا في تناولها

والقامة الغصن إلا في تثنيها

صفر غلائلها حمر عمائمها

سود ذوائبها بيض لياليها

تحيي الليالي نورا وهي تقتلها

بئس الجزاء لعمر الله تجزيها

ولولا خوف الإطالة لذكرتها بتمامها لغرابتها.

وأتى بعد أبي العلاء جماعة ذكر منهم ياقوت ثمانية أسماء، وأضرب عن ذكر غيرهم اختصارا، وغالبهم تولوا القضاء بالمعرة، وكفر طاب، وحماة. ومنهم من تولى ديوان الإنشاء.

وإنما تركت ذكرهم لما قدمت من تحريف أسمائهم في النسخة.

| هوامش

| فصل في مولده ووفاته وحليته

ولد يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة 363. وعمي بالجدري أول سنة 367. غشى يمنى عينيه بياض، وذهبت اليسرى جملة. وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر؛ لأنهم ألبسوني حين جدرت ثوبا معصفرا، لا أعقل غير ذلك. وقال في إحدى رسائله إلى داعي الدعاة: «وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الإبصار كليل، قضي علي وأنا ابن أربع، لا أفرق بين البازل

1

والربع».

2

فلا وجه إذا لمن زعم أنه ولد أكمه.

وحكى السلفي عن أبي محمد الإيادي أنه دخل مع عمه على أبي العلاء يزوره، فرآه قاعدا على سجادة لبد وهو شيخ. قال: فدعاني ومسح على رأسي، وكنت صبيا، وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما بارزة والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه، نحيف الجسم.

ونقل الثعالبي عن المصيصي الشاعر، قال: رأيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت أعمى شاعرا ظريفا يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، يكنى أبا العلاء. وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر. انتهى.

وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته الكبرى المسماة بالحقيقة والمجاز، في رحلة الشام ومصر والحجاز، عند كلامه على القدس وما فيها: «ودخلنا إلى المدرسة المسماة بالفخرية، وهي في غاية من الحسن والإتقان، وكمال البهاء وجمال البنيان، وفيها جملة من الكتب. ورأينا فيها ديوان أبي العلاء المعري وشرحه، ورأينا هناك مكتوبا له هذين البيتين، وهما قوله:

قالوا العمى منظر قبيح

قلت بفقدي لكم يهون

والله ما في الأنام شيء

تأسى على فقده العيون

ويناسبه قوله أيضا:

أبو العلاء المعري · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٤