سفرت فقلت لها هج فتبرقعت
فذكرت حين تبرقعت ضبارا
وتزينت لتروعني بجمالها
فكأنما كسي الحمار خمارا
فخرجت أعثر في قوادم جبتي
لولا الحياء أطرتها إحضارا
هو اسم كلب له، وقوله: هج زجر للكلب. وكان لسليمان بن داود الهاشمي كلب صيد يسمى زنبورا، وفيه يقول أبو نواس:
إذا الشياطين رأت زنبورا
قد قلد الحلقة والسيورا
من أرجوزة يقول في آخرها:
فأمتع الله به الأميرا
ربي ولا زال به مسرورا
ومن طرائفهم ما رواه الراغب في محاضراته لأبي محجن، في رجل اسمه: وثاب واسم كلبه: عمرو، ورواهما في موضع آخر من هذا الكتاب لابن أبي عتيق، باختلاف في الرواية:
ولو هيا له الله
من التوفيق أسبابا
لسمى نفسه عمرا
وسمى الكلب وثابا
وقلت: تذكرت بهذين البيتين قصة ظالم، لما جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
يريد الإسلام، وكان معه كلب له اسمه: راشد، فسأله - عليه السلام - عن اسمه واسم كلبه، فلما أخبره ضحك عليه السلام، وقال: اسمك راشد واسم كلبك ظالم. وفي رواية أنه كان يسمى غاوي بن ظالم، فسماه - عليه السلام - راشد بن عبد الله. وسبب إسلامه أنه كان سادنا لصنم اسمه سواع، فرأى يوما ثعلبا يعدو عليه ببوله، فكسره، وقال فيه:
أرب يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
وفي القصة، ورواية هذا البيت ونسبته لراشد، اختلاف ليس هذا محل ذكره.
وكان لميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها كلب اسمه مسمار. قال صاحب القاموس: إنه مرض، فقالت: وارحمتا لمسمار. وفي كتاب «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» لابن المرزبان، أنها رضي الله عنها كانت إذا حجت خرجت به معها؛ فليس يطمع أحد في القرب من رحلها مع مسمار، فإذا رجعت جعلته في بني جديلة، وأنفقت عليه، فلما مات قيل لها: مات مسمار، فبكت وقالت: فجعت بمسمار.
وفي هذا القدر كفاية، فقد كدنا نخرج عن المقصود. ولولا خوف الإطالة لذكرت أيضا ما ورد من أمثالهم في الكلب، وهي كثيرة تربو على خمسة وخمسين مثلا ، على أن ما ذكرناه وإن طال فلا يخلو من فائدة، وفي التنقل جمام للأنفس.
رجع إلى أبي العلاء
وعلى الجملة فلا يختلف اثنان في علمه وفضله، ووقوفه على دقائق العربية، ولا عبرة بمن لحنه في قوله:
يذيب الرعب منه كل عضب
فلولا الغمد يمسكه لسالا
بأن مذهب الجمهور وجوب حذف الخبر بعد «لولا»، بناء على أنه لا يكون إلا كونا مطلقا، فإذا أريد السكون المقيد جعل مبتدأ، فكان عليه أن يقول: فلولا إمساك الغمد إياه لسال، أي موجود. وأما التركيب الذي أتى به فتركيب فاسد. انتهى.
قلت: وهذا المخطئ هو المخطئ لاحتمال تقدير يمسكه جملة معترضة بين المبتدأ والجواب والخبر محذوف، أو تقدير يمسكه بدل اشتمال على أن الأصل أن يمسكه، ثم حذفت «أن» وارتفع الفعل، وعلى هذا فالخبر محذوف أيضا. والمعنى: فلولا الغمد إمساكه موجود لسال. انتهى ملخصا من المغني وحواشيه. هذا إذا خرجنا البيت على مذهب الجمهور الذي تمسك به المعترض، والمذهب الحق ما ذهب إليه ابن مالك والرماني وابن الشجري والشلوبين؛ بأن الخبر إذا كان كونا مقيدا، ولم يدل عليه دليل، وجب ذكره، وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه. وعليه فلا وجه للتخطئة في البيت، فضلا عن ورود مثله في الكلام الموثوق به.
وأما ذكاؤه وسرعة فهمه وقوة حافظته؛ فقد رووا فيها غرائب، منها ما ينبو العقل عن تصديقه. وقد صرح صاحب معاهد التنصيص بأن للناس في ذلك حكايات مشهورة يضعونها، وغالبها مستحيل. إلا أن اشتراط استيفاء أخباره يقضي بذكر ما وقفنا عليه منها، وعلى القارئ تمييز الغث من السمين.
فمن ذلك: ما نقل عن تلميذ التبريزي أنه كان قاعدا بين يديه في مسجد بمعرة النعمان يقرأ عليه شيئا من تصانيفه. قال: وكنت أقمت عدة سنين لم أر أحدا من أهل بلدي، فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته، فتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: أي شيء أصابك؟ فأخبرته خبر الرجل، فقال: قم وكلمه، فقلت: حتى أتمم النسق، فقال: قم وأنا أنتظرك. فقمت وكلمته بلسان الأذربية شيئا كثيرا، إلى أن سألت عن كل ما بدا لي. فلما رجعت إليه قال لي: أي لسان هذا؟ قلت: هذا لسان أهل أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد علي اللفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد، فتعجبت غاية العجب، كيف يحفظ ما لم يفهمه.