ومنه: ما رواه بعض طلبته، أن جارا له أعجميا غاب عن المعرة، وحضر رجل من بلده يبحث عنه، فوجده غائبا، ولم يمكنه المقام، فأشار عليه أبو العلاء أن يذكر حاجته، فجعل الرجل يتكلم بالفارسية وأبو العلاء مصغ إليه، ولم يكن يعرفها، إلى أن فرغ من كلامه، ومضى الرجل. وقدم جاره الغائب، فجعل أبو العلاء يردد عليه ما سمعه بلفظه، والرجل يبكي ويستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من الحديث. وسئل عن حاله، فأخبر أنه أخبر بموت أبيه وإخوته وجماعة من أهله.
وهذه الحكاية حكاها الوطواط في «الغرر والعرر» على غير هذا الوجه. قال: ومن عجيب حكاياته أن أبا زكريا التبريزي كان يقرأ عليه فأتاه رسول من عند أهله من تبريز، فجاء حلقة أبي العلاء، فسأل عنه، فأخبر أنه غائب في بعض شأنه. فقال له أبو العلاء: ما تريد به؟ قال: جئت برسالة من عند أهله، فقال: هاتها حتى نوصلها إليه. قال: إنها مشافهة. قال: فأسمعناها حتى نوصلها إليه. قال: إنها بالفارسية. قال: لا عليك أن تسمعناها ولا تسقط منها حرفا. فأوردها عليه. فلما جاء التبريزي أخبر أن رجلا جاء من تبريز ومعه رسالة من أهله، فقال: ليتكم أخذتموها منه، فإني مشوق لما يرد من أخبارهم. فقيل له: إنه قال إنها مشافهة. فتأسف لذلك، فلما رأى أبو العلاء تأسفه، قال له: لا عليك، إني سمعتها منه وحفظتها، ثم أملاها عليه. فجعل التبريزي يضحك مرة، ويبكي مرة! فسأله أبو العلاء عن ضحكه وبكائه؟ فقال: تارة تخبرني بما يسرني فأضحك، وتارة تخبرني بما يحزنني فأبكي. انتهى.
ومنه: ما حكاه الأمير أسامة بن منقذ، قال: كان بأنطاكية خزانة كتب ، وكان الخازن بها رجلا علويا. فجلست يوما عنده، فقال لي: قد خبأت لك خبيئة لم تسمع بمثلها في تاريخ. فقلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلي، وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب، وذلك أني أقرأ عليه الكراسة والكراستين مرة واحدة، فلا يستعيد إلا ما شك فيه، ثم يتلو علي ما سمعه. قلت: فلعله يكون محفوظا له! فقال: سبحان الله! كل كتاب في الدنيا يكون محفوظا له، ولئن كان كذلك فهو أعظم. ثم حضر المشار إليه، وهو صبي دميم الخلقة، مجدر الوجه، على عينيه بياض من أثر الجدري، كأنه ينظر بإحدى عينيه، وهو يتوقد ذكاء؛ يقوده رجل طويل أحسبه من أقاربه. فقال له الخازن: يا ولدي، هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك له، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك. فقال: سمعا وطاعة، فليختر ما يريد. قال ابن منقذ: فاخترت شيئا وقرأته عليه وهو يموج ويستزيد، فإذا مر بشيء يحتاج إلى تقريره في خاطره، يقول: أعد هذا، فأعيده عليه، حتى أتيت على ما يزيد على كراسة، ثم قلت: يقنع هذا من قبل نفسي. قال: أجل حرسك الله. وتلا علي ما أمليته عليه، وأنا أعارضه بالكتاب حرفا حرفا، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت أن ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا إن شاء الله. وسألت عنه، فقيل لي: هذا أبو العلاء المعري من بيت العلم والقضاء والثروة والغنى. هكذا يروون هذه الحكاية، والأمير أسامة المذكور ولد سنة 488، أي بعد موت أبي العلاء بنحو تسع وثلاثين سنة، فالقصة على هذا موضوعة، اللهم إلا أن تكون وقعت مع بعض أمراء بني منقذ، ممن تقدم أسامة.
ومنه: أن سمانا حاسب عميلا له برقاع كان يثبت فيها ما يأخذه منه عند حاجته، وكان أبو العلاء في غرفة يسمع محاسبتهما، وبعد مدة ضاعت الرقاع من السمان، فأخذ يتململ ويتأذى. وبلغ أبا العلاء خبره، فقال له: ما عليك بأس، أنا أملي عليك حسابه. وجعل يمليه عليه على ما في الرقاع رقعة رقعة، والسمان يكتبها. ثم وجد بعد ذلك رقاعه، فإذا هي مطابقة لما أملاه أبو العلاء. وهذا إن صح، فهو غاية الغايات في قوة الحفظ والتعليق.
وقريب مما تقدم، ما روي عن أبي تمام حين سمع البحتري ينشد قصيدته التي أولها: