تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلوا الضب وابن العير والباقع الذي

يبيت يعس الليل بين المقابر

قيل أراد الكلب، وقيل غير ذلك، والعرب تقول: لا خير في بقع الكلاب. وترى التبقيع هجنة فيها، وخير الكلاب عندها ما كان لونه يذهب إلى لون الأسد، وخير كلاب الصيد البيض. وفي المخصص: البقع بياض في صدر الكلب الأسود، وهي البقعة، وكلب أبقع والجمع بقعان. والوازع الكلب لأنه يزع الذئب عن الغنم ، أي يكفه، ويقال له ابن وازع أيضا. والكلب كل سبع عقور، ثم غلب على هذا النابح، كما في القاموس. وقال شارحه: قال شيخنا: بل صار حقيقة لغوية فيه لا تحتمل غيره، ولذلك قال الجوهري وغيره: هو معروف، ولم يحتاجوا لتعريفه لشهرته. انتهى. وهو من الأسماء التي تسمت بها العرب؛ فمن مشهوريهم في ذلك: كليب بن ربيعة من بني تغلب بن وائل، وهو الذي ضربوا به المثل، فقالوا: أعز من كليب وائل، وقامت الحرب بسببه بين بكر وتغلب. وكان اسمه في الأصل وائلا، وإنما سموه كليبا؛ لأنه بلغ من عزه أنه كان يحمي الكلأ فلا يقرب حماه، ويجير الصيد فلا يهاج. وكان إذا مر بروضة أعجبته، أو غدير ارتضاه، كنع كليبا ثم رمى به هناك، فحيث بلغ عواؤه كان حمى لا يرعى، فلما حمى كليبه المرمي الكلأ قيل: أعز من كليب وائل. ثم غلب هذا الاسم عليه حتى ظنوه اسمه؛ كذا في مجمع الأمثال للميداني. وقوله: كنع، هو بمعنى بضع وكوع، أي ضربه فصيره معوج الأكواع. ومنهم كليب بن حبشية بن سلول في خزاعة. وكلب بن عمرو بن لؤي في بجيلة. وبنو كلب، وبنو أكلب، وبنو كلبة، وبنو كلاب، قبائل معروفة، منها في قريش كلاب بن مرة، وفي هوازن كلاب بن ربيعة بن صعصعة. أما ذو الكلب فهو عمرو بن العجلان أحد شعراء هذيل، لقب به لأنه كان له كلب لا يفارقه. وعائد الكلب هو عبد الله بن مصعب، كان واليا للرشيد على المدينة، لقب بذلك لقوله:

ما لي مرضت فلم يعدني عائد

منكم ويمرض كلبكم فأعود

وهو أحد من نطقوا في الشعر بكلمات غلبت شهرتها عليهم، فلقبوا بها، وربما جمعت ما وقفت عليه من ذلك في رسالة مستقلة. والسبب الذي دعا العرب إلى تسمية أبنائها بمثل هذه الأسماء المستكرهة كالكلب والذئب والحجر والصخر، هو ما ذكره الراغب وغيره أن أعرابيا سئل: لم سموا أبناءهم بالأسماء القبيحة، وعبيدهم بالحسنة؟ فقال: لأن أبناءهم لأعدائهم، وعبيدهم لأنفسهم. قلت: وقد فصل الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر المشهور بابن قيم الجوزية مذاهب العرب في تسمية أبنائها تفصيلا ترتاح إليه النفس ويثلج به الفؤاد، فقال في آخر كتابه «مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة» عند الكلام على الفأل والطيرة، ما نصه: وكانت لهم مذاهب في تسمية أولادهم: فمنهم من سموه بأسماء تفاؤلا بالظفر على أعدائهم، نحو: غالب وغلاب ومالك وظالم وعارم ومنازل ومقاتل ومعارك ومسهر ومؤرق ومصبح وطارق. ومنهم من تفاءل بالسلام كتسميتهم بسالم وثابت ونحوه. ومنهم من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة: كسعد وسعيد وأسعد ومسعود وسعدي وغانم ونحو ذلك. ومنهم من قصد التسمية بأسماء السباع ترهيبا لأعدائهم، نحو: أسد وليث وذئب وضرغام وشبل ونحوها. ومنهم من قصد التسمية بما غلظ وخشن من الأجسام تفاؤلا بالقوة: كحجر وصخر وفهر وجندل. ومنهم من كان يخرج من منزله وامرأته تمخض، فيسمى ما تلده باسم أول ما يلقاه، كائنا ما كان، من سبع أو ثعلب أو ضب أو كلب أو ظبي أو حشيش أو غيره. انتهى المقصود منه.

وأما ما سمي بالكلب أو أضيف إليه من البقاع والسيوف والأنهار وغيرها، فقد تركنا ذكره طلبا للاختصار، ونقتصر منها على قرية بحلب تسمى جب الكلب، تعد من العجائب لاشتهارها ببئر فيها إذا شرب منها المكلوب قبل أن يأتي عليه أربعون يوما برأ. كذا ذكر صاحب القاموس في مادة «ج ب ب».

أبو العلاء المعري · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ١٠