وذكر غير واحد من اللغويين أن أبا العلاء لما دخل بغداد، اعترضوا عليه في حلقة ابن المحسن، لقوله:
ويوشع رد يوحى بعض يوم
وأنت متى سفرت رددت يوحا
ويوح ويوحى - بضمهما - من أسماء الشمس. فقالوا له: صحفت، إنما هو «بوح» بالباء الموحدة. واحتجوا عليه بكتاب الألفاظ لابن السكيت. فقال لهم: هذه النسخ التي بأيديكم غيرها شيوخكم، ولكن أخرجوا ما في دار العلم من النسخ العتيقة. فأخرجوها فوجدوها مقيدة كما قال.
واحتج به ياقوت في معجم البلدان في تصحيح لفظة الضراح ردا على من قال إنها بالصاد المهملة. فقال: ألا ترى إلى أبي العلاء أحمد بن سليمان المعري، كيف جمع بين الضراح والضريح إرادة للتجنيس والطباق، فقال:
لقد بلغ الضراح وساكنيه
نثاك وزار من سكن الضريحا
والنثا مقصورا وبتقديم النون على الثاء: الخبر. ومن غريب ما يروونه عنه في ذلك أنه دخل على الشريف أبي القاسم المرتضى أخي الشريف الرضى؛ وهو ببغداد، فعثر برجل فقال: من هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما. وسمعه المرتضى فأدناه واختبره، فوجده عالما مشبعا بالفطنة والذكاء، فأقبل عليه إقبالا كثيرا. قلت: ومن هذا هرب جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، فجمع أكثر من ستين اسما للكلب، ونظمها في أرجوزة سماها: «التبري من معرة المعري»، رأيت أن أوردها هنا إتماما للفائدة لعزة وجودها، ثم أعقبها بشرح يميط اللثام عن الأسماء الواردة فيها، وأتبعه بما استدركته على الناظم من أسماء الكلب، وهي:
لله حمد دائم الولي
ثم صلاته على النبي
قد نقل الثقات عن أبي العلا
لما أتى للمرتضى ودخلا
قال له شخص به قد عثرا:
من ذلك الكلب الذي ما أبصرا
فقال في جوابه قولا جلي
معيرا لذلك المجهل
الكلب من لم يدر من أسمائه
سبعين موميا إلى علائه
وقد تتبعت دواوين اللغه
لعلني أجمع من ذا مبلغه
فجئت منها عددا كثيرا
وأرتجي فيما بقي تيسيرا
وقد نظمت ذاك في هذا الرجز
ليستفيدها الذي عنها عجز
فسمه هديت بالتبري
يا صاح من معرة المعري (1) من ذلك الباقع ثم الوازع
والكلب والأبقع ثم الزارع (2) والخيطل السحام ثم الأسد
والعربج العجوز ثم الأعقد (3) والأعنق الدرباس والعملس
والقطرب الفرني ثم الفلحس (4) والثغم الطلق مع العواء
بالمد والقصر على السواء (5) وعد من أسمائه البصير
وفيه لغز قاله خبير (6) والعرب قد سموه قدما في النفير
داعي الضمير ثم هانئ الضمير (7) وهكذا سموه داعي الكرم
مشيد الذكر متمم النعم (8) وثمثم وكالب وهبلع
ومنذر وأهوج وهجرع (9) ثم كسيب علم المذكر
منه عن الهمزة واللام عري (10) والقلطي والسلوقي نسبه
كذاك النصيبي بذاك أشبه (11) والمستطير هائج الكلاب
كذا رواه صاحب العباب (12) والدرص والجرو مثلث الفا
لولد الكلب أسام تلفى (13) والسمع فيما قاله الصولي
وهو أبو خالد المكني (14) ونقلوا الزاهدون للكلاب
وكلبة قيل لها أيضا كساب (15) مثل قطام علما مبنيا
وكسبة كذاك نقلا ريا (16) وخذ لها العولق والمعاويه
ولعوة وكن لذاك راويه (17) وولد الكلب من الذئبة سم
عسبورة وإن تزل ها لم تلم (18) وألحقوا بذلك الخيهفعى
وإن تمد فهو جاء سمعا (19) وولد الكلبة من ذئب سمي
وثعلب فيما رووا بالديسم (20) ثم كلاب الماء بالهرا كله
تدعى وقس فردا على ما شاكله (21) كذاك كلب الماء يدعى القندسا
فيما روى ابن دحية قد انتسى (22) وكلبة الماء هي القضاعه
جميع ذاك أثبتوا سماعه (23) وعددوا من جنسه ابن آوى
ومن سماه دأل قد ساوى
ودئل ودؤل والدألان
وافتح وضم معجما للذألان
كذلك العلوض ثم النوفل
واللعوض السرحوب فيما نقلوا
والوع والعلوش ثم الوعوع
والشغبر الوأواء فيما يسمع
هذا الذي من كتب جمعته
وما بدا من بعد ذا ألحقته
والحمد لله لها ختام
ثم على نبيه السلام
تمت الأرجوزة. ولنشرع في شرحها معتمدين على ما دونوه في كتب اللغة والأمثال والحيوان، وقد وضعنا أرقاما للأبيات يرجع إليها في هذا الشرح، فنقول: (1) الباقع والأبقع من الكلاب الذي خالط بياضه لون آخر، والبقع في الطير والكلاب بمنزلة البلق في الدواب، وقول الأخطل: