وبالنصر المحجل والفخار
فيا لبضاعة للكفر تزجى
ويا للشوق يجمع كل شار
ويا لك من بكاء كان حقا
لدين الله داعية افترار
أتمسي الأم تعزل عن بنيها
لمولى غير مولاهم وجار؟
أبى البر الرحيم فقال رفقا
وتلك إهابة الهمم الكبار
فأمسك كل دمع مستهل
وسكن كل قلب مستطار
تتابعت المواهب والعطايا
على قدر من الرحمن جار
فغنم بعد غنم وانتصار
ينير المشرقين على انتصار
أصاب الدهر بغيته وأمست
تجلت حكمة الفلك المدار
السرية السابعة
كانت في رمضان من السنة السادسة، وسببها أن زيد بن حارثة (رضي الله عنه) خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم ، فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من فزارة فضربوه هو وأصحابه، وأخذوا ما كان معهم، ثم قدم على النبي فبعثه إليهم في جيش داهمهم، وأعمل فيهم القتل.
أمنك فزارة انبعث الغزاة؟
فما تغني السيوف ولا الحماة؟
لعمرك ما ابن حارثة بحل
وإن زعم القراصنة الجفاة
أثاروا الشر لا هو يبتغيه
ولا أصحابه الغر الهداة
أصابوهم على ثقة وأمن
فلا سيف يسل ولا قناة
وجاءوا يشتكون إلى أبي
على الأعداء تحرجه الشكاة
رسول الله ليس له كفاء
إذا التقت الفوارس والكماة
دعا زيدا هلم إلى قتال
تنال به من القوم الترات
قد الأبطال للهيجاء واصبر
فنعم الصبر فيها والثبات
إليها يا ابن حارثة إليها
ولا يحزنك ما صنع الطغاة
مشى البطل المقذف لا اتئاد
تضيق به السيوف ولا أناة
يخف بها إلى الأعداء بيضا
عليها من مناقبها سمات
أقامت حائط الإسلام ضخما
تدين له الجبال الراسيات
وجاءت بالفتوح محجلات
له في ظلها الضافي حياة
توقتها فزارة وهي حتم
فما عصمت مقاتلها التقاة
رأوها بعدما هجعوا بليل
لها فيهم وللقدر انصلات
هداها في الدجى منهم دليل
تسدده الأواصر والصلات
لواه عن السبيل قضاء رب
له الحكم الصوادع والعظات
يسوق الأمر ظاهره عناء
وباطنه كما اقترح العناة
كمثل الورد أوله أجاج
وآخر مائه عذب فرات
ظبى طرقت جماجمهم بياتا
وما خيف الطروق ولا البيات
توثبت الحتوف فلا فرار
وأبرقت السيوف فلا نجاة
نقيع شقاوة يسقاه قوم
هم الشرب المذمم والسقاة
تردوا في مصارعهم فأمسوا
كسرب الوحش صرعه الرماة
وحاق بأم قرفة ما أرادت
بأكرم من تفدى الأمهات
أرادت قتله فجرى عليها
قضاء القتل وانتصف القضاة
فيا لك منظرا عجبا تناهت
به الصور الروائع والصفات
أحيط بها وبابنتها جميعا
فما نجت العجوز ولا الفتاة
لتلك جزاؤها المردي وهذي
لها الأسر المبرح والشتات
تساق ذليلة من بعد عز
كما سيقت غداة النحر شاة
هو ابن الأكوع البطل المرجى
سباها حين أسلمها الرعاة
قنيصة نافذ الأظفار ضار
له في كل ذي ظفر شباة
هي الهبة الكريمة صادفتها
يمين ما تفارقها الهباة
يمين محمد لا خير إلا
له فيها معالم بينات
حباها خاله في غير ضن
وأين من الضنين المكرمات؟
رسول الله أكرم من أناخت
به الآمال وانتجع العفاة
بنى دين السلام بكل ماض
به وبمثله ارتفع البناة
لإنقاذ النفوس من البلايا
تلح على مباضعها الأساة
تأملت الحياة وكيف تبقى
حقائقها وتمضي الترهات
فأدبني اليقين وهذبتني
وصاة الله بوركت الوصاة
هنيئا يا ابن حارثة وأنى؟
وما ترقى إليك التهنئات
سموت فما تطاولك الأماني
ولا ترجو مداك النيرات
ظفرت من النبي بخير نعمى
تطيب بها النفوس الصالحات
بلثم زان وجهك واعتناق
شفاك فما بجارحة أذاة
على النور الذي انجلت الدياجي
به وعليك يا زيد الصلاة
| سرايا خالد بن الوليد (رضي الله عنه)
وهي ثلاث؛ أولاها لهدم العزى، والثانية إلى بني جذيمة ، والثالثة إلى أكيدر بدومة الجندل، وقد ذكرت الأولى في الفتح الأعظم، والأخيرة في غزوة تبوك. بعث خالد في خمسين وثلاث مئة رجل إلى بني جذيمة بناحية «يلملم» ليدعوهم إلى الإسلام، وكان النبي
صلى الله عليه وسلم
يومئذ بمكة، وكانوا قد قتلوا الفاكه عم خالد في الجاهلية وأخاه، وقتلوا والد عبد الرحمن بن عوف، وكانوا شرارا يسمون لعقة الدم، وكان في هذه السرية جمع من بني سليم قوم مالك بن الشريد الذي قتله بنو جذيمة قبل ذلك هو وأخوه في موطن واحد، فنشأت عن ذلك حالة كان لها أثرها في أنفسهم، فلبسوا السلاح وخرجوا إلى خالد ومن معه، يظنون شرا ويظن بهم كذلك، وكانوا قد أسلموا فلم يعلم النبي وأصحابه بإسلامهم، فلما دعاهم خالد إلى الإسلام، قالوا: صبأنا، يريدون أنهم رجعوا عن جاهليتهم إلى الإسلام، ولكن هذا المعنى لم يقع في نفس خالد على الوجه الذي أرادوه، فأعمل فيهم القتل والأسر، وذهب جماعة منهم إلى النبي يذكرون خبرهم، وما صنع خالد بقومهم، فغضب وبعث عليا بن أبي طالب، ومعه مال يدي به قتلاهم ورسالة إلى خالد أن يكف عنهم، ويطلق أساراهم.