تعيا بحكمته الألباب والفكر
لسنا كمثلك في علم ومعرفة
أنت الإمام وهذا النهج والأثر
تدري من الأمر ما تخفى ظواهره
وما لنا فيه إلا الرأي والنظر
في معجزاتك للغاوين تبصرة
وفي علومك للجهال مزدجر
صلى عليك الذي آتاك من شرف
ما ليس يبلغه جن ولا بشر •••
هذا ابنه جاءه غضبان يمسكه
دون المدينة للمختار ينتصر
يقول تلك ديار لست تدخلها
حتى تفيء وحتى يعلم الخبر
أنت الأذل فقلها غير كاذبة
إن كنت حرا فبئس الكاذب الأشر
فقالها مرة حرى وأرسلها
كأنها روحه من فيه تنحدر
مشى أعز بني الدنيا وأشرفهم
قدرا وأرفعهم ذكرا إذا ذكروا
حل المدينة منه ليث ملحمة
لا النصر يخطئه فيها ولا الظفر
فليعرف الحق قوم ضل رائدهم
وارتد قائدهم خزيان يعتذر
| قصة أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)
لما رجع النبي
صلى الله عليه وسلم
بالمسلمين من غزوة بني المصطلق، وكانت عائشة وأم سلمة (رضي الله عنهما) معه، بات الجيش في مكان على مسافة من المدينة، وقبل أن يؤذن الناس بالرحيل ذهبت تقضي حاجتها فجاوزت الجيش، وفي عودتها إلى رحلها أحست أنها فقدت عقدا لها، فرجعت إلى المحل الذي كانت فيه تلتمسه، وأمر الجيش بالرحيل وهي لا تزال في التماسه، وأقبل الموكلون لها فحملوا هودجها، ووضعوه على البعير الذي كانت تركبه، وهم يظنون أنها فيه، ثم سار الجيش وعادت فلم تجد أحدا، وغلبتها عينها فنامت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي على ساقة الجيش، فتخلف عنه وأصبح عند المنزل الذي بقيت فيه أم المؤمنين (رضي الله عنها)، فرأى سواد إنسان نائم، واقترب منه، وإذ عرفها أخذه الحزن ورفع صوته قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فاستيقظت على صوته وخمرت وجهها بجلبابها، وصمت صفوان بعد ذلك فلم يزد على أن أناخ راحلته وقال: أمه، قومي فاركبي، ثم سار بها فأدرك الجيش بعدما نزل عند الظهر، قالت (رضي الله عنها): فلما نزلنا هلك من هلك بالقول والافتراء ...
والذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه أول من أشاع الإفك في العسكر، ثم برأها الله فشرح صدر النبي والمؤمنين بهذه البراءة:
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم
إلى بقية الآيات العشر (سورة النور).
سيد الرسل وأم المؤمنين
بشر الأبطال بالنصر المبين
خرجت في الجيش ترجو ربها
عصمة الراجي وعون المستعين
ينصر الحق ويقضي أمره
إن رماه كل أفاك مهين
إصبري إن جل أمر إنها
يا ابنة الصديق دنيا الصالحين
أرأيت الأرض لما رجفت
إذ هوى عقدك؟ بل لا تشعرين
اقشعرت وتمنت لو هوى
كل عال من رواسيها مكين
أنت في شأنك إذ تبغينه
وهي في هم وغم وأنين
سوف يبدي الخطب عن روعته
بعد حين فاصبري حتى يحين •••
رفعوا الهودج والظن بها
أنها فيه وساروا مدلجين
وانجلى الليل عن الخطب الذي
غادر الإصباح مسود الجبين
أين غابت أي أرض نزلت
كيف غم الأمر؟ هل من مستبين؟
يا رسول الله صبرا إنها
في ذمام الله رب العالمين
يا أبا بكر رويدا إننا
لنراها في حمى الروح الأمين •••
رجعت والليل في بردته
دائم الإطراق كالشيخ الرزين
ذهب الجيش وأمست وحدها
غير أصداء من الوادي الحزين
خطرت في الجو من أنفاسها
خطرات للأسى ما ينقضين
ماج كالبحر طغت أثباجه
وارتمت أهواله حول السفين
نام عنها الهم لما رقدت
فهو في الأحشاء مكتوم دفين
وأتى صفوان ما يبدو له
غير شيء ماثل للناظرين
يرسل الطرف ويمشي نحوها
مشية المرتاب في رفق ولين
عرف الخطب فما أصدقه
حين يدعو دعوة المسترجعين
دعوة رنت فلو قيل اسمعوا
لسمعنا اليوم ترداد الرنين
أيقظت عائشة من نومها
مثلما يوقظها صوت الأذين
جفلت منه فغطت وجهها
وهي في سترين من عقل ودين
يصرف اللحظ كليلا دونها
خاشع القلب كدأب المتقين
قرب الناقة منها ودعا
إركبي أماه مليت البنين
أخذ المقود يمنا ومضى