هذا الذي قالت العليا لأنعمه
لا أصغر الله في الأحوال مهناك
له أحاديث تغني كل مجدبة
عن الحياء وتجلي كل أحلاك
ما بين خيط الدجى والفجر لائحة
كأنها درر من بين أسلاك
كفاك يا دولة الملك المؤيد عن
بر البرية من للفضل أعطاك
لك الفتوة والفتوى محررة
لله ماذا على الحالين أفتاك
أحييت ما مات من علم ومن كرم
فزادك الله من فضل وحياك
ومن يجمع ما جمعت من شرف
في الخافقين ومن يسعى كمسعاك
أنسى المؤيد أخبار الألى سلفوا
في الملك ما بين رهاب وفتاك
ذو المكرمات التي افترت مباسمها
والغيث بالرعد يبدي شهقة الباكي
قل للبدور استجني في الغمام فقد
محا سنا ابن علي حسن مرآك
ومن شعرائه الشيخ شهاب الدين محمود، مدحه بقصيدته التي مطلعها:
أترى محبك بالخيال يفوز
ولنومه عن مقلتيه نشوز
وبالجملة فقد كان أبو الفداء آية باهرة وفردا من أفراد الرجال. ومن آثاره جامعه - المار الذكر - ومقبرة باب الجسر التي وقفها في حياته، وحمام العبيسي الباقية للآن، وقطعة حرم جامع نور الدين الشرقية التي بناها مدرسة للحنفية. وتآليفه النافعة المعتبرة في أقطار الأرض. تولى ابنه الملك الأفضل بعده أوقافه وأوقاف نور الدين حسن مدة حياته، ثم تبعثرت تلك الأوقاف بعده وما زالت تفقد وتتناقص حتى غيرت معالمها وبدلت رسومها. توفي سنة 732، ودفن في جامعه - المشهور بجامع الحيات الآن - بحجرة صغيرة، وتحت هذه الحجرة مغارة كبيرة فرشت أرضها بالرمل الحجازي، وفي وسط الحجرة قبر من حجر الرخام محفور بعض حجارته بالآيات القرآنية، وعند رأسه حجر محفور بما صورته: هذا ضريح العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر شاهنشاه بن أيوب بن عمر في شهور سنة 727. ومن العجائب أن تاريخ القبر سابق تاريخ الوفاة فالذي يظهر أنهم كانوا يهيئون القبر قبل الموت زهدا في الدنيا.
السلطان حسن
بدر الدين حسن شقيق الملك المؤيد المذكور، كان شهما أديبا فاضلا زكيا صاحب خيرات ومبرات، ومن آثاره جامع السلطان وجامع الحسنية
8
وغير ذلك، وقد توفي سنة 726 ومكان لحده مجهول.
شيخ الشيوخ
الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري بن محمد بن عبد المحسن المعروف بشيخ الشيوخ بحماة، كان مولده بجمادى الأولى سنة 586، وكان دينا فاضلا متقدما عند الملوك، وله النثر البديع والنظم البديع، غزير العقل عارفا بتدبير المملكة. ومما وصفه به صاحب فوات الوفيات قوله: هو الإمام العلامة الأديب الشاعر ابن القاضي عبد الله الأنصاري، رحل فيه والده وأسمعه المسند كله من عبيد الله بن أبي المجد الحربي، وقرأ كثيرا من كتب الأدب على الكندي، وسمع من جماعة، وبرع في العلم والأدب، وكان من الأذكياء المعدودين، وله محفوظات كثيرة. سكن ببعلبك مدة، وسكن دمشق، ثم سكن حماة. وكان صدرا كبيرا نبيلا معظما وافر الحرمة كبير القدر. روى عنه الدمياطي، وأبو الحسن اليونيني، وابن الظاهري، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي: لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة وقبلها من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا أصنع ولا أسرى ولا أكثر؛ فإن له في لزوم ما لا يلزم مجلدا كبيرا، وما رأيت له شيئا إلا وكتبته لما فيه من النكت والتوريات الفائقة والقوافي المتمكنة والتركيب العذب واللفظ الفصيح والمعنى البليغ. فمن ذلك قوله:
أفنيت عمري في دهر مكاسبه
نطيع أهواءنا فيه وتعصينا
تسعا وعشرين مد الهم شقتها
حتى توهمتها عشرا وتسعينا
قلت: وكتب الأدب طافحة بأشعاره، ففي خزانة الأدب وبديعية النابلسي منها شيء كثير، وقد رأيت في حماة جزءا مختصرا من أشعاره غير مطبوع. وقال السبكي في الطبقات: ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، كان من أذكياء بني آدم، وسمع من ابن كليب، ومن أبي اليمن الكندي، وأبي أحمد بن سكينة، ويحيى بن الربيع الفقيه وغيرهم، وبرع في الفقه والشعر وحدث كثيرا، وتوفي سنة اثنتين وستين وستمائة. ومن بديع قوله: