5
الملك المنصور
الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
كان مولده سنة 632، ويوم ولادته هنأ أباه به شيخ شيوخ حماة عبد العزيز الأنصاري بقصيدة منها:
غدا الملك محروس الذرى والقواعد
بأشرف مولود لأشرف والد
حبينا به يوم الخميس كأنه
خميس بدا للناس في شخص واحد
وسميته باسم النبي محمد
وجديه فاستوفى جميع المحامد
كأني به في سدة الملك جالسا
وقد ساد في أوصافه كل سائد
ووافاك من أبنائه وبنيهم
بأنجم سعد نورها غير خامد
ألا أيها الملك المظفر دعوتي
ستوري بها زندي ويشتد ساعدي
هنيا لك الملك الذي بقدومه
ترحل عنا كل هم معاود
تولى ملك حماة بعد أبيه وكان عمره عشر سنين - كما تقدم - وقام حينئذ بتدبير المملكة شيخ الشيوخ - المذكور آنفا - إلى أن كبر. كان ذكيا فطنا، محبوب الصورة، حليما للغاية يتجاوز عما يكره ويكتمه ولا يفضح قائله.
من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قدم إلى حماة فرفع إليه أهلها عدة قصص يشكون فيها من الملك المنصور، فأمر بيبرس بجعل القصص في منديل ولم يقرأها، وأرسلها للملك المنصور فأخذها، وقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم بشيء لا ينبغي، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر المنصور بإحضار نار وحرق تلك القصص، ولم يقف على شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير. توفي سنة 683، ودفن بجانب أبيه في تربة المظفر في جانب الجامع الكبير من جهة الغرب.
6
أبو الفداء
هو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبو الفداء بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
كان شهما فاضلا عالما عظيما، وكان الملك الناصر ملك البلاد المصرية والسورية يكتب إليه، ويبتدئ كتابه بقوله: يقبل الأرض. وما أشبه ذلك من عبارات التكريم. كان المؤيد ذا مكارم وفضيلة تامة، عالما بالفقه والطب والحكمة والتاريخ والهيئة والجغرافيا وعلوم كثيرة غيرها. وكان محبا لأهل العلم مقربا لهم، وممن كان في خدمته أثير الدين الأبهري صاحب كتاب إيساغوجي وقد رتب له ما يكفيه، وممن كان في خدمته أيضا الشاعر الشهير جمال الدين بن نباتة، وصفي الدين الحلي، وقد رتب لكل منهما في السنة ستمائة درهم غير التحف. وله مؤلفات مفيدة جدا، منها التاريخ المشهور وهو مطبوع متداول معتمد، ومنها كتاب تقويم البلدان في مجلد وهو مطبوع طبع أوروبا، وهو معتمد أيضا وقليل الوجود، ومنها كتاب نظم الحاوي في فقه الشافعي، وكتاب الكناش مجلدات كثيرة جمع فيه النحو والصرف والمنطق وعلم الهيئة وغيرها من العلوم وهو غير مطبوع وقليل الوجود، وكتاب الموازين في علوم كثيرة وهو مفقود . وبالجملة فإن محاسنه كثيرة. وكان له نظم جليل، فمنه:
اقرأ على طيب الحيا
ة سلام صب مات حزنا
أعلم بذاك أحبة
بخل الزمان بهم وضنا
لو كان يشرى قربهم
بالروح والأموال جدنا
متجرع كأس الفرا
ق يبيت للأشواق رهنا
حب قضى وجدا ولم
يقضى له ما قد تمنى
وله:
سرى مسرى الصبا فعجبت منه
من الهجران كيف صبا إليا
وكيف ألم بي من غير وعد
وفارقني ولم يعطف عليا
وله:
أحسن به طرفا أفوت به القضا
إن رمته في مطلب أو مهرب
مثل الغزالة ما بدت في مشرق
إلا بدت أنوارها في المغرب
وله غير ذلك موشحات وسواها. ولابن نباتة ديوان على حدة مطبوع في مدائحه، ومما قاله في رثائه:
ما للندى لا يلبي صوت داعيه
أظن أن ابن شادي قام ناعيه
ما للرجاء قد استدت مذاهبه
ما للزمان قد اسودت نواحيه
نعى المؤيد ناعيه فوا أسفي
للغيث كيف غدت عنا غواديه
كان المديح له عرس بدولته
فأحسن الله للشعر العزا فيه
يا آل أيوب صبرا إن إرثكم
من اسم أيوب صبرا كان ينجيه
هي المنايا على الأقوام دائرة
كل سيأتيه منها دور ساقيه
وله أيضا يرثيه ويهنئ ابنه الأفضل بالملك: