تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن قوله فيه:

وعريش قام على دكان

بحال رواق

وأسد ابتلع ثعبان

في غلظ ساق

وفتح فمو بحال إنسان

فيه الفواق

وانطلق يجري على الصفاح

ولقي الصباح (6)

الكان وكان:

نظم اخترعه البغداديون، وسمي بذلك؛ لأنهم لم ينظموا فيه سوى الحكايات والخرافات.

فكان قائله يحكي ما كان، حتى ظهر «الإمام ابن الجوزي» والواعظ «شمس الدين»؛ فنظما منه الحكم والمواعظ، ويصاغ معرب بعض الألفاظ على وزن واحد، وقافية واحدة، ولا تكون قافيته إلا مردوفة (ساكنة الآخر، وقبله حرف ساكن)، ومثاله:

قم يا مقصر تضرع

قبل أن يقولوا كان وكان

للبر تجري الجواري

في البحر كالأعلام (7)

المواليا:

هو من الفنون التي لا يلزم فيها مراعاة قوانين العربية، وهو من بحر البسيط، لولا أن له أضربا تخرجه عنه.

وقد ذكروا في سبب نشأته أن «الرشيد» لما نكب «البرامكة» أمر ألا يرثوا بشعر، فرثتهم جارية بهذا الوزن، وجعلت تنشد وتقول: «يا مواليا»؛ ليكون ذلك منجاة لها من الرشيد؛ لأنها لا ترثيهم بالشعر المنهي عنه.

والمواليا في الاصطلاح ثلاثة أنواع:

رباعي:

وهو ما كان أشطر بيته مصرعة، مثل قول جارية البرامكة:

يا دار أين الملوك أين الفرس

أين الذين رعوها بالقنا والترس

قالت تراهم رمم تحت الأراضي الدرس

سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس

وأعرج:

وهو ما اختلف مصراع منه عن الثلاثة الباقية، مثل قول بعضهم في الوعظ:

يا عبد إبكي على فعل المعاصي ونوح

هم فين جدودك أبوك آدم وبعده نوح

دنيا غروره تجي لك في صفة مركب

ترمي حمولها على شط البحور وتروح

ونعماني:

مثل قول بعضهم:

الأهيف اللي بسيف اللحظ جارحنا

بيده سقانا الطلا ليلا وجارحنا

رمش رمى سهم قطع به جوارحنا

آهين على لوعتي في الحب يا وعدي

هجره كواني وحيرني على وعدي

يا خل واصل ووافي بالمنى وعدي

من حر هجرك ومن نار الجوى رحنا

الإفلات من قيود القافية

إن الذي دعاهم إلى الإفلات من قيود الوزن (وهو - على زعمهم - ضيق الأوزان في الشعر العربي) قد دعاهم مثله إلى الإفلات من قيود القافية؛ ذلك بأن الشعر العربي إذا زاد المقول فيه على بيت واحد وجب أن يتحد مع الأصل في الوزن والقافية، ولم يعهد عن العرب القدماء أنهم قالوا بيتين أو أكثر في معرض واحد إلا جاءوا بذلك من بحر واحد، وجعلوا أواخر الأبيات حرفا واحدا مع ما اشترطوا في هذه الأواخر من شروط، ومجموعها هو علم القوافي. حقا إن هذا إذا نظرنا إليه نظرة عامة نراه التزاما شديدا لم تشترطه لغة غير العربية؛ فأكثر اللغات يكفي فيها شرط الوزن، مع خلاف بين اللغات واللغة العربية فيما يراد بهذا الشرط أيضا.

ولكننا ننظر إلى العربية في سابق عهودها، فنجدها قد نهضت بجميع أغراض القول مع اشتراط الوزن والقافية، وكان أكثر كلام العرب شعرا، ولم يعرف أن أحدا منهم شكا من ذلك أو تبرم به أو حاول الخروج عليه، لا في جاهلية ولا إسلام حتى كان العصر العباسي.

فإذا كان بعض الشعراء في العصر العباسي قد تبرم بهذين القيدين فليس العيب عيب اللغة، ولكنه عيب من يحاول ما لا يستطيع، وهو عيب من لا يستكمل الوسائل ثم يريد الطفور إلى الغايات.

وما كان لنا أن نتابع هؤلاء الباغين على العربية الذين يريدون أن يتحيفوا جمالها من أطرافه فننادي معهم بطرح هذه القيود؛ فإنها ليست كما ظنوا قيود منع وإرهاق، ولكنها حجز زينة، ومعاقد رشاقة ونظام، كأنه نظام فريد، لا يحسن إلا إذا روعي فيه التناسق والتناظر.

ومن أمثلة هذه المحاولة المزرية بقدر الشعر ما أورده القاضي «أبو بكر الباقلاني» في كتابه «الإعجاز» من قول بعضهم:

رب أخ كنت به مغتبطا

أشد كفي بعرى صحبته

تمسكا مني بالود ولا

أحسبه يزهد في ذي أمل

ولكن هذا الناعق لم يجد من يتابعه؛ لأن الأذن لا ترتاح إلى صنيعه.

ولكنهم قبلوا من ذلك نوعا سموه «المزدوج»؛ وهو أن يؤتى ببيتين من مشطور أي بحر مقفيين، وبعدهما غيرهما بقافية أخرى؛ وهكذا.

ميزان الذهب في صناعة شعر العرب · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ميزان الذهب في صناعة شعر العربص ٢٩