تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد احتاجوا إلى ذلك وأكثروا منه في نظم القصص الطويلة والحكم والأمثال ومسائل العلوم، مما لا يراد به إلا مجرد الضبط؛ لسهولة الحفظ، وحرموا هذا النوع أن يسمى «قصيدة» مهما طال، وأول من نظم فيه بشار وأبو العتاهية، ثم تتابع عليه الشعراء.

ومن مزدوجة لأبي العتاهية في الحكم - وقد سماها ذات الأمثال، وله فيها أربعة آلاف مثل - قوله:

حسبك مما تبتغيه القوت

ما أكثر القوت لمن يموت

الفقر فيما جاوز الكفافا

من اتقى الله رجا وخافا

هي المقادير فلمني أو فذر

إن كنت أخطأت فما أخطا القدر

لكل ما يؤذي وإن قل ألم

ما أطول الليل على من لم ينم

ما انتفع المرء بمثل عقله

وخير ذخر المرء حسن فعله

من جعل النمام عينا هلكا

مبلغك الشر كباغيه لكا

ما عيش من آفته بقاؤه

نغص عيشا كله فناؤه

ما زالت الدنيا لنا دار أذى

ممزوجة الصفو بأنواع القذى

من لك بالمحض وليس محض

يخبث بعض ويطيب بعض

إن الشباب حجة التصابي

روائح الجنة في الشباب

ومن هذا النوع «ألفية ابن مالك» وما على شاكلتها من متون العلوم.

ومما استحدثوه في القافية أيضا نوع يسمى «المسمط»؛ وهو أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسمة من غير قافيته، ثم يعيد قسما واحدا من جنس ما ابتدأ به؛ وهكذا إلى آخر القصيدة.

وقد نسبوا إلى «امرئ القيس» قوله من هذا النوع:

توهمت من هند معالم أطلال

عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي

مرابع من هند خلت ومصائف

يصيح بمغناها صدى وعوازف

وغيرها هوج الرياح العواصف

وكل مسف ثم آخر رادف

بأسحم من نوء السماكين هطال

وقد يكون بأقل من أربعة أقسمة وبلا بيت مصرع، مثل قول بعضهم:

غزال هاج لي شجنا

فبت مكابدا حزنا

عميد القلب مرتهنا

بذكر اللهو والطرب

سبتني ظبية عطل

كأن رضابها عسل

ينوء بخصرها كفل

ثقيل روادف الحقب

كذلك أحدثوا فيها المخمس: وهو أن يؤتى بخمسة أقسمة كلها من وزن واحد، وخامسها بقافية مخالفة للأربعة قبله، ثم بخمسة أخرى من الوزن دون القافية للأقسمة الأربعة الأولى، ويتحد القسيم الخامس مع الخامس من الأولى في القافية، كقول الشاعر:

ورقيب يردد اللحظ ردا

ليس يرضى سوى ازديادي بعدا

ساحر الطرف مذ جنى الخد وردا

إن يوما لناظري قد تبدى

فتملى من حسنه تكحيلا

وتصدى من فحشه في استباق

يمنع اللحظ من جنى واعتناق

أيأس العين من لحاظ اعتناق

قال جفني لصنوه: لا تلاقي

إن بيني وبين لقياك ميلا

الباب الثالث

| خواطر في فنون الشعر

اعلم أن المراد هنا بفنون الشعر هيئات وصور خاصة تطرأ عليه، وقد اخترع أكثرها المولدون لغايات شتى، وأغراض مناسبات أخرى.

وهذه الفنون على ثلاثة أقسام: قسم منها يختص ببحور الشعر الستة عشر السابق ذكرها، لا يخل بأوزانها البتة.

وقسم يخرج عن نظم البحور المعروفة إلى أوزان معلومة مع مراعاة قواعد العربية.

والقسم الأخير يكتفي بالوزن دون مراعاة قوانين اللغة، وهو مخصوص بالعامة.

القسم الأول

| في فنون الشعر الملحقة بالبحور الستة عشر

وهي سبعة: لزوم ما لا يلزم، والتفويف، والتسميط، والإجازة، والتشطير، والتخميس، والتصريع. (1) لزوم ما لا يلزم

لزوم ما لا يلزم: هو أن يأتي الشاعر بحرف يلتزم قبل الروي، وليس هو بلازم، كلزوم الراء من قول صفي الدين الحلي:

يا سادة مذ سعت عن بابهم قدمي

زلت وضاقت بي الأمصار والطرق

ودوحة الشعر مذ فارقت مجدكم

قد أصبحت بهجير الهجر تحترق

قد حارب الصبر والسلوان بعدكم

قلبي وصالح طرفي الدمع والأرق (2) التفويف

التفويف: عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المديح وما سواه في جملة من الكلام مفصلة عن الأخرى مع تساوي الجمل في الوزن، كقول البديع الهمزاني (والشاهد في البيت الثاني):

يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا

لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا

والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت

والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا

وكقول علي بن المقري:

ميزان الذهب في صناعة شعر العرب · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ميزان الذهب في صناعة شعر العربص ٣٠