تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه. (6)

أن يقتصر المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله. (7)

أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقي إليه الجلي اللائق به، ولا يذكر له أن وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه؛ فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي، ويشوش عليه قلبه. (8)

أن يكون المعلم عاملا بعلمه، فلا يكذب قوله فعله .

في القواعد السابقة بعض المبادئ في التعليم تعتبر من أسمى ما وصل إليه علماء التربية. وأهمها الترابط بين العلوم، والبدء بالأهم فالمهم، وبالواضح قبل الغامض، وبالأسبق في الترتيب.

ونأخذ على الغزالي ما يعيبه على المعلم من أخذ الأجر على التعليم، فهذا من الآراء المثالية التي لا تتفق مع الواقع. وهذا يختلف عن رأي القابسي.

ولكن الغزالي بسط هذه المبادئ العامة في إيجاز دون أن يخوض في تفصيل شئون التعليم والتربية. فلم يتكلم عن المنهج، أو مكان التعليم، أو اليوم المدرسي؛ أو العقاب، أو اختيار الصبيان إلى آخر ما جاء في رسالة القابسي.

وبعد فإننا نرى أن رأي الغزالي في التعليم جزء من مذهبه في التصوف، وهو مخالف بعض الشيء لمذهب أهل السنة.

فهو يتفق معهم في الغرض وهو معرفة الله تعالى، ومعرفة العبادات التي أمرنا بها، وأنواع الأفعال التي نهانا عنها.

ولكن الطريقة مختلفة، فهو ينصح بطريق الصوفية وهو مجاهدة النفس ورياضتها للوصول إلى قرب من الله. وقد جرح الغزالي الفقهاء والمتكلمين كما جرح الفلاسفة، فقال: «فكن حريصا على معرفة ذلك السر الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين.»

41 (5) الزرنوجي

ومن الكتب الذائعة الذكر عند العرب «تعليم المتعلم طريق التعلم» لبرهان الدين الزرنوجي المتوفى سنة 591ه. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية.

ويعده الدكتور إبراهيم سلامة، إلى جانب كتاب القابسي، أهم كتابين في التربية، وقد ترجم عناوين فصوله، ثم عرض بعض آرائه في إيجاز.

42

وعندنا أن السر في شهرة هذا الكتاب راجع إلى عنوانه من جهة، وإلى أنه كتاب خاص بالتربية والتعليم فقط، ومثل هذه التآليف الخاصة قليلة عند المسلمين.

والرأي عندي أن قيمة هذا الكتيب ضئيلة الشأن.

فهو صغير الحجم لا يكاد يبلغ فصلا من الفصول المؤلفة في التربية في كتب الفقه.

ولم يأت صاحبه بجديد، وإنما ذكر ما هو معروف متداول، ومزج الآراء بالحكايات وبعض الأشعار والأمثال.

وكثيرا ما ينزل إلى مستوى العامة في الاعتقاد بأوهام لا تستند إلى أساس علمي. قال فيما يمنع الرزق كلاما لا ينبغي أن يقوله العلماء منه: «كنس البيت في الليل، وحرق قش البصل والثوم، والامتشاط بمشط منكسر، والتعمم قاعدا، والتبول قائما.»

43

وهو يجري في هذا الكتاب مجرى أهل السنة المائلين إلى التصوف، كما اشترط لطالب العلم أن: «يشتغل بالشكر باللسان والجنان، ويرى الفهم والعلم والتوفيق من الله، ويطلب الهداية من الله بالدعاء منه والتضرع إليه، فأهل الحق وهم أهل السنة والجماعة طلبوا الحق من الله تعالى.»

44

وكان الغزالي من قبل متصوفا، ولكنه كما ذكر عن نفسه أنه من فريق النظار، أي أهل النظر العلمي. ولذلك أوجب الغزالي معرفة العلوم في أول العمر، وهي التي تحصل بالدأب والاجتهاد، ثم ينقطع الإنسان إلى التصوف في آخر العمر بعد تحصيل العلوم. أما الزرنوجي فإنه بعد أن نصح طالب العلم بالمذاكرة والمناظرة والمطارحة والتأني والتأمل، عاد فذكر أشياء لا توصل إلى العلم، وإنما تصلح لغايات أخرى. «قال أبو حنيفة: إنما أدركت العلم بالحمد والشكر.»

45

والحمد والشكر يأتيان بعد تحصيل العلم، وليس الحمد والشكر من أسباب تحصيله. ثم قال «ولا يعتمد على نفسه وعقله، بل يتوكل على الله ويطلب الحق منه.»

46

وهذه النصائح وأمثالها هي التي بثت في المسلمين روح التواكل والكسل وعدم الاعتماد على النفس.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٩