تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبدأ الزرنوجي ببيان أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وهو علم الحال كالصلاة والزكاة وما إلى ذلك، وبعد ذلك ينتقل إلى علم المآل.

وينبغي لطالب العلم أن يصبر على أستاذ بعينه، ولا يشتغل بفن قبل أن يتقن الأول، وأن يعظم أستاذه ويوقره، وأن يجود الكتابة ولا يقرمط، «وينبغي ألا يكون في الكتاب شيء من الحمرة، فإنها صنيع الفلاسفة لا صنيع السلف.»

47

وهذا منتهى الغاية في الجمود، والتعسف في الرأي دون علة معقولة؛ إذ أي عيب في الكتابة بالمداد الأحمر.

ولذة العلم من دواعي تحصيل العلم. أما الكسل والنسيان فعلاجهما تقليل الطعام. وينبغي أن يبدأ المتعلم بما هو أقرب إلى فهمه، ولا يحفظ إلا بعد الفهم.

أما التكرار فيتبع فيه الطريقة الآتية: وهي خمس مرات أول يوم، ثم أربع مرات في اليوم الثاني ، وثلاث مرات في اليوم الثالث، ومرتان في اليوم الرابع، ومرة في اليوم الخامس. فهذا أدعى إلى الحفظ.

48

وقد ضبط علماء التربية الحديثة طريقة التكرار بالتجارب، فوجدوا أن التكرار الموزع على أيام كثيرة، أفضل من التكرار المستمر. وهذا يشبه ما قاله الزرنوجي، ولكنه لا يعتمد فيه على التجارب. (6) ابن عبد البر

ونعرض قبل أن نختم هذا الفصل بما ذكره ابن خلدون، لكتاب آخر في التعليم هو (جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله) لابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463ه.

وصاحب هذا الكتاب من أهل الحديث، ويتبع منهجهم في التأليف والتفكير، فهو لا يجادل ولا يسوق البراهين والأدلة، وإنما يتلمس آثار السلف، وقد ذكر المؤلف هذا المنهج في المقدمة، فقال بعد ذكر الموضوعات التي سيعرض لها ثم يجيب عنها: «مما روي عن سلف هذه الأمة، لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم، وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك.»

49

والجزء الثاني من الكتاب دفاع عن طريقة أصحاب الحديث، وفي وجوب الأخذ بالحديث في إقامة العلم، واتباع السلف، وأن الرأي سبب في الوقوع في البدع.

فطريقة ابن عبد البر تماثل طريقة القابسي في التأليف، إلا أن القابسي أكثر حرية؛ لأنه يرجح آراء الفقهاء إذا اختلفت، ويسلك في الرواية السبيل التي تتفق مع العقل وتلائم طبيعة الأشياء، أما ابن عبد البر فيذكر الرأي ونقيضه بما ورد من أحاديث وآثار دون أن يرجح أحدهما على الآخر، مثال ذلك ما جاء في ذكر النهي عن كتابة العلم، ثم ما جاء عن الرخصة في كتابة العلم.

50

وبدأ المؤلف بالكلام عن وجوب طلب العلم معتمدا على الحديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» بعد أن خرج هذا الحديث من عدة طرق؛ ثم بين أن العلم فرض عين، ومنه فرض كفاية، وأن الأول هو معرفة أصول الإسلام، كالاعتقاد بوجود الله، والصلاة، والزكاة، والحج.

ثم استطرد إلى الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، كالصبر والزهد في الطعام والمال والرياسة.

ونصح المؤلف أن يكون طلب العلم في الصغر؛ لأن من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في حجر، ومن تعلم العلم بعد ما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء.

51 (7) ابن خلدون

واتبع ابن خلدون - المتوفى عام 808ه - مذهبا مخالفا للفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة وأهل السنة، وهو المذهب الذي ابتدعه وسبق به عصره، نعني المذهب الاجتماعي.

ذلك أن الإنسان حيوان مفكر اجتماعي، خاضع في صلة بعضه ببعض لقوانين اجتماعية، في جميع أمور معاشه وعمرانه.

ويمتاز الإنسان عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون. «وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.» «فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات، فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيتلقى ذلك عنهم.»

52

فالتعليم ضروري وطبيعي في البشر لحاجة الإنسان إلى معرفة العلوم المختلفة التي لا تتيسر بالفهم والوعي فقط، بل بملكة خاصة. «والحصول على هذه الملكة في العلم أو الفن يكون بالتعليم. ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند أهل كل أفق وجيل.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٠٠