تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإلهام تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها، والعلم الذي يحصل على الإلهام يسمى علما لدنيا، ويكون لأهل النبوة والولاية.

34

ويحصل العلم اللدني باتباع الطرق الآتية: (1)

تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر منها. (2)

الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة. (3)

التفكر، فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم، ثم تفكرت في معلوماتها بشروط التفكر، ينفتح عليها باب الغيب.

35

فخلاصة مذهب الغزالي أن: «الأولى أن يقدم طريق التعليم فيحصل من العلوم البرهانية ما للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعليم ... فإذا حصل ذلك على قدر إمكانه ... فلا بأس بعده أن يؤثر الاعتزال عن هذه الخلق، الإعراض عن الدنيا، والتجرد لله.»

36

وهذا الرأي هو صورة من حياة الغزالي؛ لأنه لم يتصوف إلا في آخر حياته، بعد أن اشتغل بتحصيل العلوم.

ونعود إلى الكلام عن تعليم الصبيان.

وينبغي أن نعلمهم منذ الصغر؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر.

37

والطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها. وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش.

38

ثم نقل الغزالي في هذا الفصل الخاص برياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم ما ذكره ابن مسكويه في كتاب «تهذيب الأخلاق» نقلا عن بروسن، وذلك بنفس الترتيب في الآراء، وبألفاظه في أكثر المواضع؛ وكل ما في الأمر أن الغزالي حذف منه الأغراض الفلسفية التي شرحناها سابقا، ووضع أغراضا جديدة تتلاءم مع مذهبه في التصوف. قال في بيان الغرض من تأديب الصبيان: «وإنما المقصود منها أن يقوى بها على طاعة الله ... وإن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى.»

39

وذكر الغزالي في مكان آخر الشروط التي ينبغي أن يأخذ بها المتعلم

40

وهي: (1)

تقديم طهارة النفس على رذائل الأخلاق؛ إذ لا تصلح عبادة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق. (2)

أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن. (3)

ألا يتكبر على العلم، ولا يتأمر على المعلم، بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية. (4)

أن يحذر الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يدهش عقله، ويحير ذهنه، ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع. (5)

ألا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة، ولا نوعا من أنواعه، إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته ... فإن العلوم متعاونة، وبعضها مرتبط ببعض. (6)

ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا، فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه. (7)

ألا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا، وبعضها طريق إلى بعض. (8)

أن يعرف السبب الذي به يدرك الشرف في العلوم، فإن ثمرة علم الطب الحياة الدنيوية، وثمرة الدين الحياة الأخرى، فيكون علم الدين أشرف. (9)

أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضائل، وفي المآل القرب من الله ... ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران. ولا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم التي هي فرض كفاية. (10)

أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد، كما يؤثر الرفيع القريب على البعيد، والمهم على غيره.

أما واجبات المعلم فهي: (1)

الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه. (2)

ألا يطلب على العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا. (3)

ألا يدع من نصح المتعلم شيئا، وأن ينبه أن الغرض من طلب العلوم القرب من الله دون الرياسة والمنافسة والمباهاة. (4)

أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ. (5)

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٨