تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

وليس غريبا أن ينبه الغزالي على قيمة التعليم والمعلمين، وهو الذي كان معلما في إحدى مدارس بغداد، ثم اعتزل التعليم وصناعته ليكون معلما للناس كافة عن طريق كتبه التي ألفها، وأكبرها «إحياء علوم الدين».

وبعد أن طاف الغزالي بجميع المذاهب في الكلام والفلسفة، انصرف عنها، وطعن عليها، وآثر طريق التصوف.

ولكنه اعتنق هذا المذهب عن روية وتفكير، لا عن اتباع وتقليد.

وجانب العمل متفق عليه من الصوفية، فهو محو الصفات الرديئة، وتطهير النفس من الأخلاق السيئة، ولكن جانب العلم مختلف فيه. فإن الصوفية لم يحرصوا على تحصيل العلوم ودراستها، وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، بل قالوا الطريق المجاهدة بمحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل همة على الله. وأما النظار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإفضاءه إلى المقصد، ولكن استوعروا هذا الطريق ... فالاشتغال بتحصيل العلوم أولى؛ فإنه يسوق إلى المقصود سياقة موثوقا بها.

26

وأفضل المعلومات وأعلاها، وأشرفها هو الله الصانع المبدع الحق الواحد؛ وهذا العلم ضروري واجب تحصيله على جميع العقلاء كما قال

صلى الله عليه وسلم : «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» وهذا العلم لا ينفي سائر العلوم، بل لا يحصل إلا بمقدمات كثيرة، وتلك المقدمات لا تنتظم إلا من علوم شتى.

27

وهذه المقدمات التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو. ومن الآلات علم كتابة الخط.

28

وإلى جانب ذلك فالعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة، فإنه وصف كمال الله سبحانه. وتعرف فضيلة العلم بثمرته، وهي القرب من الله تعالى. أما في الدنيا فالعز، والوقار، ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع.

29

والعلم الذي هو فرض عين على كل مسلم: اعتقاد وفعل وترك؛ أي اعتقاد بالله، وفعل بما أمر الله، وترك لما نهى عنه.

والعلم الذي هو فرض كفاية: فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، والحساب فإنه ضروري للمعاملات وقسمة الوصايا والمواريث.

30

وهنا نرى أن الغزالي يقترب من رأي القابسي وهو رأي أهل السنة، الذين يجعلون علم القرآن والصلاة وبعض النحو والخط من العلوم الضرورية، أما الحساب فليس بلازم على المعلم إلا أن يشترط عليه.

أما الطريق إلى تحصيل العلوم فهو على وجهين: (1)

التعلم الإنساني وهو التحصيل بالتعلم من خارج. (2)

التعليم الرباني وهو الاشتغال بالتفكر من داخل.

والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي، والنفس الكلي أشد تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العلماء والفضلاء

31

إلى أن قال: «والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض، والتعلم هو إخراجه من القوة إلى الفعل.» وليس ما يقوله الغزالي مبتكرا، فهذا مذهب ابن سينا والفارابي من قبل، وكلاهما أخذ عن الأفلاطونية الحديثة.

وقد مزج الغزالي هذه الآراء الفلسفية بما يقوله المتصوفة، وما لا يخرج عن ذلك وإنما بأسلوب آخر. «وقال قوم من المتصوفة: إن للقلب عينا كما للجسد، فيرى الظواهر بالعين الظاهرة، ويرى الحقائق بعين العقل.»

32

والإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء: الجزئيات والكليات، وجميع العلوم؛ بل يتعلم شيئا، ويستخرج بالتفكر من العلوم شيئا، وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر، وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب.

33

وهذا المذهب في اكتساب المعرفة عن طريق الحس أولا ثم بالفكر والقياس والحدس، هو مذهب ابن سينا، كما هو مذكور في (النجاة) وغيره من الكتب.

أما التعليم الرباني فعلى وجهين: إلقاء الوحي بأن يقبل الله تعالى على تلك النفس إقبالا كليا، وينظر إليها نظرا إلهيا، ويصير العقل الكلي كالمعلم، والنفس القدسية كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس من غير تعلم وتفكر.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٧