تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو يريد أن ينشئ أبناء المسلمين على الصورة التي نشأ هو عليها، ولا يجد في ذلك حرجا أو مطعنا، ولهذا أقر هذه الطريقة التي تبدأ بتعليم القرآن والكتابة، كما جرت العادة في الكتاتيب.

ويرى ابن سينا: «أن يروى الصبي الرجز ثم القصيد.» وهذا الاهتمام الشديد بالشعر والنص عليه، دليل على عناية ابن سينا بالفن وأثره في النفس، وقد كان ابن سينا شاعرا نظم القصيدة العينية في النفس، وله قصيدة في المنطق. وأرجوزة في الطب، وعدة قصائد في الزهد وغير ذلك، فلا غرابة أن يحث على تعليم الشعر.

ومن رأي ابن سينا أن يكون التعليم جميعا في المكتب، لا فرديا على مؤدب خاص. وكانت عادة الأغنياء والأشراف اتخاذ المؤدبين لأولادهم. «لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما.» «ولأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس.»

ووجود الصبي مع غيره من الصبيان «أدعى إلى التعلم والتخرج فإنه يباهي الصبيان مرة ويغبطهم مرة ويأنف عن القصور عن شأوهم مرة. ثم إنهم يترافقون ويتعاوضون الزيارة ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهلة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم وتمرين لعاداتهم.»

وليس في هذا الكلام جديد عما ذكر القابسي الذي حبذ المخايرة بين الصبيان، وأجاز اتخاذ العريف لما في ذلك من فائدة في تخريج الصبيان.

وإنما الجديد النصيحة لأبناء الطبقة الرفيعة أن يتصلوا بأبناء الشعب في الكتاتيب مما يدل على تأصل الروح الديموقراطي في قلب ابن سينا. ولم يكن ابن مسكويه على هذا الرأي؛ لأن رسالة تأديب الأحداث التي نقلها في كتابه إنما تصف تعليم صبيان الخاصة فقط، وينصرف الرأي فيها إلى المؤدب وتلميذه، لا المعلم وصبيانه.»

وقيمة المعلم عند ابن سينا في خلقه وسيرته، لذلك ينبغي أن يكون: «عاقلا، ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي.»

ورأي ابن سينا في العقوبة لا يخرج عما هو معروف عند فقهاء المسلمين، وعما ذكر القابسي، فهو ينصح بالترهيب والترغيب، والإيناس والإيحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة أخرى، والضرب بعد الإرهاب الشديد.

ونحب أن نقف قليلا عند رأي جديد لابن سينا لم يسبقه إليه أحد في الإسلام، وهو من الآراء الحديثة في التربية وعلم النفس. ذلك هو مسايرة ميول الصبي، ثم توجيه الصبي إلى الصناعة أو المهنة التي تتفق مع ميوله.

ذلك أنه: «ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه، وأنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب، وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملائمة، إذن ما كان أحد غفلا من الأدب، وعاريا من صناعته، وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف وأرفع الصناعات.» «وينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي، ويسبر قريحته، ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعات بحسب ذلك.»

ولكن ابن سينا لم يوضح لنا طريقة اختبار الذكاء، وميزان الطبع والقريحة؛ ولعله ترك ذلك لفراسة المعلم ورأيه. بينما الجديد في علم النفس الحديث هو ابتكار اختبارات الذكاء، واختبارات الشخصية. (4) الغزالي

ذكرنا التربية عند إخوان الصفا، وعند ابن مسكويه، وعند ابن سينا، لنبين ما يراه بعض الفلاسفة في تعليم الصبيان.

ونذكر الآن رأي المتصوفة، وسنتخذ الغزالي ممثلا لهم؛ لأنه أوفى من كتب في هذا الموضوع، ولأن آراءه أوسع انتشارا من غيره.

يرى أبو حامد الغزالي المتوفى عام 505 هجرية، أن قيمة المعلم كبيرة في انتشار المذاهب المختلفة، ونشوء الناس عليها. والمذهب: «هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب أهل البلد فيه النشء، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٦