تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الحلوى والفاكهة فينبغي أن يمتنع عنها البتة إن أمكن، وإلا فيتناول أقل ما يمكن، فإنها تستحيل في بدنه وتكثر انحلاله. ونقول إن هذا الرأي لا يتفق ومبادئ الطب الحديث. «فأما النبيذ وأصناف الأشربة المسكرة فإياه وإياها، فإنها تضره في بدنه ونفسه، وتحمله على سرعة الغضب والتهور والإقدام على القبائح. ولا يحضر مجالس أهل الشرب إلا أن يكون أهل المجلس أدباء.» وهذا الرأي أجنبي لا إسلامي؛ إذ المعلم ينهى عن الخمر لأن الدين حرمها، ولا ينصح البتة بحضور مجالس الشراب. ثم إن هذه المجالس يجتمع فيها الخاصة لا العوام، وهذا يطابق ما ذكرناه من أن هذا الفصل يعالج تأديب الصبيان في الطبقة الرفيعة.

ويمنع الصبي من النوم الكثير؛ فإنه يقبحه ويغلظ ذهنه. ولا يتعود النوم بالنهار ألبتة، ويعود الحركة والمشي والرياضة.

فالغاية من هذه الآداب كلها هي أن يتعود الخشونة ويصلب بدنه. ولذلك: «يؤاخذ باشتهائه المآكل والمشارب والملابس الفاخرة. ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة النساء اللاتي يتزين للرجال، وأن الأحسن بأهل النبل والشرف من اللباس البياض.»

وأبلغ مما سبق في التعود على الخشونة والرجولة: «أنه ينبغي إذا ضربه المعلم ألا يصرخ وألا يستشفع بأحد، فإن هذا فعل المماليك، ومن هو خوار ضعيف.»

ومع ذلك فالصبي «يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب.»

ومما يجري مجرى الرجولة والأدب أن يحفظ الأخبار والأشعار التي تعوده الأدب: «ويحذر النظر في الأشعار السخيفة، وما فيها من ذكر العشق وأهله، وما يوهمه أصحابها أنه ضرب من الظرف، ورقة الطبع. فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جدا.»

وطريقة التأديب إذا وقع من الصبي مخالفات هي التغافل أولا، ثم التوبيخ، ثم الضرب؛ «لأنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة.» ويمدح بكل ما يظهر منه من خلق جميل.

هذه هي خلاصة ما ذكره ابن مسكويه في التعليم والتأديب. ومن الواضح أنه تأثر في آرائه بالفلسفة، فأخذ عن أفلاطون، وعن أرسطو، وعن الفيثاغوريين، وعن الفرس، وجعل من كل ذلك مذهبا جديدا في الأخلاق، مؤتلفا إلى حد كبير.

فهو يرمي إلى السعادة بالترقي إلى الحق والخير والجمال «مع حسن الحال في الدنيا، وطيب المعيشة، وجميل الأحدوثة.»

23

وهذا الرقي يقبله المرء بالتأديب. (3) ابن سينا

عرض ابن سينا في كتاب (السياسة)

24

لواجب الرجل نحو ولده، فبسط أحوال تعليمه وتأديبه بكلام يدل على نفاذ الفكر وصدق النظر، مما هو جدير بمقام فيلسوف الإسلام الشيخ الرئيس ابن سينا.

وآراؤه تدل على حرية شديدة في التفكير، على العكس من ابن مسكويه الذي تقيد بآراء أفلاطون وأرسطو، وأراد أن يطبقها على البيئة الإسلامية، فخرجت لذلك مغايرة لطبيعة المسلمين. أما ابن سينا فينظر إلى البيئة الإسلامية، ويتحرى الأساليب الملائمة لها في التعليم والتهذيب، بما يتفق مع العقل السليم. «إذا فطم الصبي عن الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة؛ فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق، فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة.»

هذه هي نظرية تكوين العادة وصعوبة الإقلاع عنها، وأغلب المسلمين على هذا الرأي، ولهم في ذلك حكم مأثورة مشهورة مثل: «التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.» إلى غير ذلك.

وقد رأينا القابسي أيضا ينصح بتكوين العادات الحسنة منذ الصغر، ومنها المبادرة بتعليم الصبي الصلاة. «فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه، وتهيأ للتلقين، ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم الدين.»

وابن سينا هنا يرجع بالذاكرة إلى نفسه حين كان صبيا صغيرا، فأحضر معلم القرآن، ولم يبلغ العاشرة من عمره حتى أتى على القرآن وعلى كثير من الأدب، كما ذكر في سيرة حياته.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٥