وفضيلة النفس الناطقة الحكمة، وآلاتها: الذكاء وهو سرعة انقداح النتائج وسهولتها على النفس؛ والذكر وهو ثبات ما يخلصه العقل أو الوهم من الأمور؛ والتعقل وهو موافقة بحث النفس عن الأشياء الموضوعة بقدر ما هي عليه؛ وصفاء الذهن وهو استعداد النفس لاستخراج المطلوب؛ وجودة الذهن وهو استعداد النفس لاستخراج المطلوب؛ وجودة الذهن وهو تأمل النفس لما قد لزم من المقدم؛ وسهولة التعلم وهي قوة للنفس وحدة للفهم بها تدرك الأمور النظرية.
18
والمعلومات بعضها مكتسب، وبعضها فطري. «فإن النفس وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس، فلها من نفسها مبادئ أخر، وأفعال لا تؤخذ عن الحواس البتة. وهي المبادئ الشريفة العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة.
وبالجملة فإن النفس إذا علمت أن الحس صدق أو كذب، فليست تأخذ هذا العلم من الحس ... وهذا العلم من ذاتها وجوهرها أعني العقل.»
19
وإذا أردنا التعبير عن هذا الرأي بأسلوب آخر، نقول إن مادة المعلومات مكتسبة، أما صورتها ففطرية.
والأحوال الخلقية بعضها مكتسب وبعضها فطري، «فمنها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة واختيارا.» «ولهذا اختلف القدماء فقالوا من كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه، وقال أخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعيا.»
وقد اختار ابن مسكويه المذهب الثاني وهو أننا: «ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعا وإما بطيئا. ولأن الرأي الأول يؤدي إلى إبطال قوة التمييز والعقل، وإلى رفض السياسات كلها، وترك الناس همجا مهملين، وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم، وهذا ظاهر الشناعة جدا.»
فالصبي قابل للتعليم والتأديب.
ثم وصف بن مسكويه العلوم والفضائل التي يأخذ الناس بها أنفسهم منذ الصبا. «فمن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة، ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين، ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان، ثم يتدرج في منازل العلوم، فهو السعيد الكامل.»
20
في هذا المنهج نجد ابن مسكويه يمزج بين الدين والفضيلة والعلم على الأخص علم الحساب والهندسة، وهذا شبيه بالفيثاغوريين.
ثم ذكر ابن مسكويه فصلا في تأديب الأحداث والصبيان خاصة، نقل أكثره من كتاب بروسن.
21
وأكبر الظن أن بروسن هذا نقل عن فلوطرخس، ويقول العرب عنها إنها رسالة أفلاطون في آداب الصبيان؛ والتأديب في هذه الرسالة ينصرف إلى أبناء الأشراف الذين: «لا يربون أولادهم بين حشمهم وخدامهم خوفا عليهم من الأحوال التي ذكرناها.»
22
والكلام في هذا الفصل ينصب على التربية والتأديب، لا على كسب العلوم. وقد كانت عناية الروم والفرس متجهة في الغالب إلى تهذيب الخلق وتعليم الأدب.
ولا ننسى أن الروم كانت دولة أرستقراطية انعزلت فيها الطبقات بعضها عن بعض، على عكس الإسلام الذي سوى بين الناس في الحقوق، ومحا فوارق الطبقات.
قال ابن مسكويه نقلا عن هذا الكتاب: وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمترفين.
لذلك كانت آداب السلوك التي ذكرها بأهل الطبقة الرفيعة أليق.
ونفس الصبي ساذجة لن تنتقش بعد بصورة، ولا لها رأي وعزيمة تمليها من شيء إلى شيء. فإذا نقشت بصورة قبلتها نشأ عليها واعتادها. وهذا يطابق الرأي الذي ذهب إليه من قبل، وقد ساد هذا الرأي بنصه عند أغلب المفكرين في الإسلام.
وأولى الآداب بالتقديم أدب المطاعم، التي تراد للصحة لا للذة، ولدفع الجوع وحفظ صحة البدن. ولا يرغب الصبي في الألوان الكثيرة، وإذا جلس مع غيره فلا يبادر إلى الطعام، ولا يحدق إليه شديدا، ولا يسرع في الأكل.