تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

فطن إخوان الصفا إلى قيمة المعلم وضرورته في تلقين العلوم والمعارف. ولكنهم اشترطوا في المعلم شروطا تتلاءم مع مذهبهم، وتخدم أغراضهم السياسية، وتتفق مع الغاية من نشر دعوتهم، فقالوا: «واعلم أيها الأخ أن من سعادتك أيضا أن يتفق لك معلم ذكي، جيد الطبع، حسن الخلق، صافي الذهن، محب للعلم، طالب للحق، غير متعصب لمذهب من المذاهب.»

10

ولا تتفق هذه الشروط إلا في جماعتهم، كما صرحوا بذلك قائلين: «ثم اعلم أن أصحاب الناموس هم المعلمون والمؤدبون والأساتذة للبشر كلهم، ومعلمو أصحاب النواميس هم الملائكة، ومعلم الملائكة هو النفس الكلية، ومعلمها العقل الفعال والله تعالى معلم الكل.»

11

وأصحاب الناموس في الرتبة الثالثة من جماعة إخوان الصفا. ذلك أنهم رتبوا أنفسهم مراتب أربع بعضها فوق بعض: (1)

الأبرار والرحماء، يشترط فيهم صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول، سنهم خمس عشرة سنة. (2)

مرتبة الرؤساء وذوي الرياسات، عمرهم ثلاثون سنة، يشترط فيهم مراعاة الإخوان وسخاء النفس. (3)

رتبة الملوك وذوي السلطان، وهي القوة الناموسية الواردة بعد ملوك الجسد بأربعين سنة. (4)

الرتبة الرابعة «وهي التي ندعو إليها إخواننا كلهم في أي مرتبة كانوا، وهي التسليم وقبول التأييد، ومشاهدة الحق عيانا، وهي القوة الملكية الواردة بعد خمسين سنة من مولد الجسد.»

12

وقد نبه إخوان الصفا في غير موضع إلى أهمية التربية والتعليم والمحافظة في طبع النفوس بالآراء والسجايا، مما يصعب محوه بعد ذلك. ولكنهم أغفلوا مع ذلك حلقة أولى في التعليم، تعتبر من بنيانه كالأساس، وهي مرحلة تعليم الصبيان حتى سن الخامسة عشرة.

ولعلهم تركوا الصبيان وشأنهم يتعلمون في الكتاتيب؛ لأن تعليمهم يتم بالتحفيظ لا بالتفهيم. فهم يحفظون مبادئ العلوم التي لا يستغنى عنها فيما بعد، وفي ذلك يقولون: «كما أن الصبي إذا أحكم ما يراد منه في المكتب استغنى عن حمل اللوح والدواة والمداد والقلم وسواده. لأنه كان يكتب به ، ويقرأ منه ويمحو، ليحصل العلم في نفسه محفوظا، من القرآن، والأخبار، والأشعار، والنحو، واللغة، وما شاكلها مما يحفظ الصبيان في المكتب.»

13

وفي هذا النص إشارة إلى منهج تعليم الصبيان في المشرق، وليس فيه خلاف عن المنهج المتبع في المغرب. (2) ابن مسكويه

وتكلم أحمد بن محمد بن مسكويه عن تعليم الصبيان في كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق». وقد درج في هذا الكلام على طريقة الفلاسفة، ولكنه كأغلب الفلاسفة المسلمين، أخذ عن الفلسفة اليونانية دون أن يتبع فيلسوفا بعينه، ولكنه أخذ من كل مذهب ما أعجبه، ومزج الآراء بعضها ببعض.

ويتضح تأثره الشديد بالفلسفة لا بالدين، مما ذكره من الغرض من الأخلاق والطريق الموصل إلى ذلك الغرض، فقال: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر بها عنا الأفعال كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا، لا كلفة فيها ولا مشقة. يكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي. والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ما هي؟ وأي شيء هي؟ ولأي شيء أوجدت؟»

14

وإذا انتهى الصبي من كمال التمييز يسمى عاقلا: «إلى أن ينتهي إلى الغاية الأخيرة، وهي التي لا تراد لغاية أخرى، وهو الخير المطلق.»

15

ثم إن الفضائل التي يتعود عليها الصبيان، وينشئون عليها: «تسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية.»

16

الحق والخير والجمال هي الغايات التي يتطلع إليها الإنسان. وهذه الثلاثة هي بذاتها مثل أفلاطون الأخيرة.

والنفس جوهر مخالف للجسد؛ لأن: «النفس تقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال ... ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في العلوم والآداب. فليس النفس إذن جسما.»

17

وتنقسم النفس إلى ثلاث قوى: النفس الناطقة، والغضبية، والشهوانية. والناطقة هي القوة التي بها يكون التفكير والنظر في حقائق الأمور، والغضبية هي التي يكون بها النجدة والإقدام على الأحوال، والشهوانية يكون بها طلب الغذاء والملاذ.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩٣