لهذا كله آثرنا أن نجمع أشهر آراء المسلمين في التربية، أو آراء أشهر المربين في الإسلام في مكان واحد، لتكون الموازنة بينهم وبين القابسي الذي يمثل فريق الفقهاء بارزة جلية. (1) إخوان الصفا والتعليم
أما إخوان الصفا وهم فريق من الفلاسفة، ألفوا جماعة سرية، واعتنقوا مذهبا سياسيا، ويقال إنهم من الباطنية، فطنوا إلى أهمية التعليم في طبع النفوس على العقيدة فأشاروا إلى هذا بقولهم: «واعلم أن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم واعتقاد من الآراء، كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، فإذا كتب فيه شيء، حقا كان أو باطلا، فقد شغل المكان، ومنع أن يكتب فيه شيء آخر، ويصعب حكه ومحوه.»
1
وقد نظروا إلى التعليم والتربية نظرا عقليا لا عمليا.
عرفوا العلم بأنه: «صورة المعلوم في نفس العالم، وضده الجهل وهو: عدم تلك الصورة من النفس.»
2
وعندهم أن طريق اكتساب المعلومات يكون بثلاثة طرق: الأول الحواس الخمس التي بها يدرك الأمور الحاضرة في الزمان والمكان. والثاني استماع الأخبار التي ينفرد بها الإنسان دون سائر الحيوان، يفهم بها الأمور الغائبة عنه بالزمان والمكان جميعا. والثالث طريق الكتابة والقراءة يفهم بها الإنسان معاني الكلمات واللغات والأقاويل بالنظر فيها.
3
والمعرفة كلها مكتسبة وليست فطرية. وأصل المعرفة هي الحواس. «والمعقولات التي هي في أوائل العقول ليست شيئا سوى رسوم المحسوسات الجزئيات الملتقطة بطريق الحواس. والدليل على ذلك قوله تعالى:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا (النحل: 78).»
4
والمقصود بالمعقولات الموجودة في أوائل العقول، المعرفة البديهية مثل: الكل أعظم من الجزء. وهذه الأوليات مكتسبة. وقد رد إخوان الصفا على القائلين بأنها «مركوزة» اعتمادا على رأي أفلاطون بما يأتي: «وليس الأمر كما ظنوا، وإنما أراد أفلاطون بقوله إن العلم تذكر أن النفس علامة بالقوة فتحتاج إلى التعليم حتى تصير علامة بالفعل، فسمي العلم تذكرا ثم إن طريق التعاليم هي الحواس ثم العقل ثم البرهان.»
5
وأصحاب (رسائل إخوان الصفا) مخطئون في فهم أفلاطون؛ لأن معنى رأيه «العلم تذكر والجهل نسيان.» أن النفس كانت تعيش مع الآلهة في عالم المثل فعندها معرفة بكل شيء، ولما اتصلت بالجسد نسيت، فإذا انكشف عنها ستار المعرفة، فإنها لا تكسب شيئا جديدا، بل تتذكر ما كانت تعرفه في عالم المثل قبل اتصالها بالجسد.
ومذهب إخوان الصفا شبيه بمذهب لوك الذي يعتبر أن أصل المعرفة هو الحواس، وأنه لا شيء في العقل لم يكن قبل ذلك في الحواس.
فإذا كانت المعرفة مكتسبة، فكيف الطريق إلى تحصيلها؟
الطريق إليها بالاعتياد الذي يستند إلى المداومة والنظر. وفي ذلك يقولون: «واعلم بأن العادات الجارية بالمداومة فيها تقوي الأخلاق المشاكلة لها، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها، والدرس لها، والمذاكرة فيها، يقوي الحذق بها، والرسوخ فيها ...»
6
والمحاكاة الناشئة عن الاختلاط من وسائل نقل الأفكار، وطبع المعتقدات في النفوس: «والمثال في ذلك أن كثيرا من الصبيان إذا نشئوا مع الشجعان والفرسان وأصحاب السلاح وتربوا معهم، تطبعوا بأخلاقهم، وصاروا مثلهم. وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق والسجايا التي يتطبع عليها الصبيان منذ الصغر، إما بأخلاق الآباء والأمهات ... والمعلمين والأساتذة المخالطين لهم في تصاريف أحوالهم.»
7
والمحاكاة تسير من الكبير إلى الصغير، ومن العالم إلى الجاهل، ولذلك كانت للخواص والعلماء تقليدا وقولا، أو كإقرار الصبيان للآباء والمعلمين تعليما وتلقينا.
8
ومن طرق كسب المعرفة أن تؤخذ عن معلم؛ لأن للمعرفة شرائط: «ليس في وسع كل إنسان معرفتها في أول مرئياته. ومن أجل هذا يحتاج كل إنسان إلى معلم أو مؤدب أو أستاذ، في تعلمه وتخلقه وأقاويله واعتقاده وأعماله وصنائعه.»