تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا نزل بقوم ما يضطرهم إلى الرحيل، فرحل بعضهم إلى مكان وبعضهم إلى مكان آخر، أو رحل بعضهم وثبت بعضهم في البلدة فالحكم في الأجر يكون كما يأتي: (1)

إذا كان قد عاقدهم على المشاهرة شهرا بشهر أو سنة بسنة، فالحكم فيه أن يتركوه متى شاءوا، ويترك تعليمهم متى شاء. والحكم بينهم فيما قد علم لهم. (2)

إن كان قد عاقدهم على سنة بعينها أو أشهر بأعيانها، ورحلوا مضطرين فليس عليه أن يتبعهم في السفر، بل ينتظر عودتهم ويكمل باقي مدة التعليم 88-ب. (3)

إن كان رحيلهم طوعا، فليس لهم أن ينقصوا إجارته 76-ب.

وشركة المعلمين أو أكثر جائزة، إذا كانوا في مكان واحد لسببين:

الأول: «لأن لهم في ذلك ترافقا وتعاونا.» والثاني: «أن يمرض بعضهم، فيكون السالم مكانه حتى يفيق.» 68-أ.

ويشترط مالك في شركة المعلمين أن يستوي علمهما، فلا يكون لأحدهما فضل على صاحبه في علمه. فإن كان أحدهما أعلم من صاحبه، فإنه يتناول أجرا أكثر من الأقل علما.

ولا تصح الشركة على مذهب ابن القاسم، إذا استؤجر أحدهما لتعليم النحو والشعر والحساب وما أشبه واستؤجر الآخر لتعليم القرآن والكتابة. وهذا هو مذهب من يكره الإجارة على تعليم غير القرآن والكتابة 69-أ.

والمعلم هو الذي يستأجر مكان الكتاب، بيتا كان أو حانوتا.

أما إذا استؤجر المعلم على صبيان معلومين سنة معلومة، فعلى أولياء الصبيان كراء موضع المعلم لأنهم هم أتوا بالمعلم إليهم وأقعدوه لصبيانهم 66-ب.

وإذا أراد المعلم الانتقال بالكتاب إلى موضع آخر، فإن كان المكان الجديد لا مضرة فيه على الآتين منه، ولا مشقة ولا خوف على الصبيان، فلا مانع من الانتقال.

فإن كان فيه مضرة على واحد منهم فليس للمعلم أن ينتقل من مكان على التعليم فيه وقعت الإجارة 87-أ.

بهذا نرى أن القابسي فصل الأحوال المختلفة التي تعرض لعلاقة المعلم بالتلميذ من ناحية الأجر، وحكم في كل منها حكما يستند إلى الحق والشرع والمصلحة، حتى يسوى النزاع بين المعلمين وآباء الصبيان، لتستقر الأمور وتجري في مجراها السليم.

وفي الحكم بالأجر إنصاف للمعلمين، وإنصاف للجمهور، وإنصاف للتعليم نفسه.

فالقابسي ينظر إلى الواقع، ولا يتطلب المثل العليا العسيرة المثال.

فهو يريد معلما ورعا تقيا، مخلصا في عمله وفي دينه وفي سلوكه، يقوم من التلاميذ مقام الوالد من الولد، فيأخذ الصبيان بالشفقة والرحمة، والسياسة والحكمة، ويبصرهم أحوال دينهم، ويحفظهم كتاب الله وسنة رسوله، حفظا للدين من الضياع. ولم يضن القابسي على المعلم في سبيل ذلك بالأجر لحفظ المعاش، والكسب الضروري للحياة.

الفصل العاشر

| آراء المسلمين في التربية والتعليم

سنعرض في هذا الفصل طائفة من آراء المسلمين في التربية والتعليم، ونخص بالذكر أصحاب الآراء الخاصة التي اشتهرت في تاريخ الفكر الإسلامي. ونحن نرمي من هذا الغرض أن نبين أمورا ثلاثة:

الأول:

أن المستشرقين الذين كتبوا في التربية الإسلامية، ومن تبعهم من المؤلفين في الشرق، درجوا على تقرير آراء معينة في التعليم قالوا عنها إنها آراء المسلمين أو العرب فيما يختص بأغراض التعليم، ومناهجه، وطرقه، وأحواله. وهذا التعميم خطأ؛ لأن أمور التعليم اختلفت باختلاف الأقاليم، واختلاف أشخاص القائلين بها. وقد نجد اتفاقا على بعض الأمور، ولكنهم اختلفوا في أمور أخرى كثيرة مما جعلنا نفرد لكل مفكر منهم كلمة خاصة تجمع رأيه، وتبين ما امتاز به.

والثاني:

أن الآراء التعليمية لمفكر ما وحدة متماسكة في ذهن صاحبها، فقد يذكر منهجا خاصا يلائم الغرض من التعليم الذي يذهب إليه، وكذلك طريقة التعليم التي سلكها في تحقيق ذلك المنهج، فلا يصح أن ننقل جزءا من مذهب مفكر في التعليم ونترك سائر ما ذكره في هذا الصدد

والثالث:

أننا نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول: إن مذهب المفكر في التعليم جزء أو صدى لمذهبه العام في الحياة أو فلسفته، إذا كانت الفلسفة هي النظر الشامل للحياة. وقد التزمنا هذا المنهج في بحثنا، فبدأنا بذكر مذهب القابسي، وهو مذهب أهل السنة، ثم بينا أن طريقته في التعليم تلائم هذا المذهب. وجمهور الفقهاء كانوا على مذهب أهل السنة، وهذا هو السبب في التشابه الشديد في الرأي بين المتقدمين والمتأخرين فيما ذكروا من فصول متناثرة خلال كتب الفقه، وكتب القرآن التي تعرضت لموضوعات التعليم. وإلى جانب هؤلاء ظهر في البيئة الإسلامية طوائف أخرى تفكر بطريقة مختلفة عن جمهور أهل السنة، كالمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم؛ وسنرى في هذا الفصل أن ما نذكره من مسائل التعليم المستندة إلى صاحبها هي صدى لمذهبه العام.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩١