تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

ولما ولي عبد الملك بن مروان، أرسل زهير بن قيس لحرب البرابرة «فزحف من برقة سنة سبع وستين، ودخل إفريقية، ولقيه كسيلة عند القيروان فهزمه زهير بعد حروب صعبة، وقتله ... ثم قفل زهير إلى المشرق زاهدا في الملك.»

8

ثم أمر عبد الملك بن مروان حسان بن النعمان الغساني بغزو إفريقية، وأمده بالعساكر، ودخل القيروان، وافتتح قرطاجنة عنوة وخربها، وفر من كان بها من الروم والفرنجة ... وأمن البربر، وكتب الخراج عليهم، وعلى من معهم من الروم والفرنج.

9

وبذلك استقر المسلمون في تلك البلاد استقرار من يلتصق بالأرض ويتخذها له وطنا.

هؤلاء هم الرعيل الأول الذي حمل الإسلام إلى أهل إفريقية، فهم الذين كانوا ينشرون الدعوة، ويتخذهم الناس أئمة وقدوة. وكانوا أئمة حقا، لأن منهم من صحب النبي، أو كان من كبار التابعين. كان في جيش عبد الله بن أبي سرح معبد بن العباس بن عبد المطلب، ومروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية، والحارث بن الحكم وأخوه، وعبد الله بن الزبير ابن العوام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن أبي بكر ... ثم زاد البلاذري على ذلك قوله: «وخرج في هذه الغزاة ممن حول المدينة من العرب خلق كثير.»

10

فإذا قلنا إن كبراء العرب عادوا إلى وطنهم، فإن هذا الخلق الذي خرج من المدينة ومن حولها، لم يعد منهم إلا القليل، على حين مكث أغلبهم وبنى واستقر؛ ذلك أن المعيشة في جزيرة العرب لا تسهل حتى على أهلها، لقلة مواردها وقسوة الجو فيها.

ولم تخل هذه الغزوات من قتلى يستشهدون في ميدان القتال، «وقبورهم تدعى قبور الشهداء.»

11

وبقيت أئمة المسلمين وكبار الصالحين رمزا قويا للصدر الأول من الإسلام، وتبعث في الخلف روح الاستمرار على الاقتداء بالأوائل، وبث تعاليم الإسلام، والتمسك بأهداب الدين القويم.

على أن استتباب الأمر، ونشر الإسلام، وتمكين الدين واللغة العربية من النفوس شغل الدولة الأموية كلها. ذلك أن الثورات لم تنقطع في عهد الأمويين كما رأينا، بسبب قرب العهد بالشعوب المفتوحة من تقاليدها وعاداتها الموروثة. «ولى هشام كلثوم بن عياض إفريقية، فانتفض أهلها عليه، فقتل بها.»

12

ولم يستتب الأمر إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي ولى المغرب إسماعيل بن أبي المهاجر «فسار أحسن سيرة، ودعا البربر إلى الإسلام.»

13

وهذا يطابق ما ذكره صاحب (البيان المغرب): «وما زال إسماعيل حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام، حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز. وهو الذي علم أهل إفريقية الحلال والحرام. وبعث معه عمر رضي الله عنه عشرة من فقهاء التابعين أهل علم وفضل، منهم عبد الرحمن بن نافع، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهما.»

14

ويؤيد ما سبق ما جاء في تاريخ ابن خلدون قال: «ولما مات سليمان بن عبد الملك، استعمل عمر بن عبد العزيز على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، وكان حسن السيرة، وأسلم جميع البربر في أيامه.»

15

بذلك تم إسلام البربر، وأصبحت لغتهم هي العربية، كما حدث للفرس وغيرهم من الشعوب غير العربية.

وعني العباسيون بتثبيت الإسلام بعد ان انقضى نحو قرن من الزمان على الفتح، نسي خلاله البربر - وهم أهل شمال إفريقية - تاريخهم ودينهم. وأقبلوا على الدين الجديد، وتشبعوا منه، وأشربوا حبه وتثقفوا بثقافته، وأصبحوا ركنا من أركانه يذودون عنه باللسان والقلم والسيف.

انقضى نحو قرن من الزمان منذ الفتح حتى إسلام البربر، وانقضى نحو قرن آخر تفقه فيه أهل شمال إفريقية، حتى برز منهم علماء يشار إليهم ويعتد بهم، منهم علي بن زياد، وابن أبي حسان، وابن غانم، وابن أشرس.

ولكن أشهر فقهاء شمال إفريقية هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون.

16

ولم يكن في المغرب من أئمة العلماء من يأخذ الناس عنهم. ولم تكن حلقات العلم في مساجدها مما يشبع نهم طلاب التبحر في العلم. وإنما كان سبيل طلاب العلم أن يرحلوا إلى مواطنه يثقفون أنفسهم، ويشبعون نهمهم، ويروون غلتهم. والطريق الطبيعي الذي لا بد لأهل المغرب أن يسلكوه إذا أرادوا طلب العلم هو الرحلة إلى مصر، ومنها إلى البلاد الشرقية خصوصا الحجاز، فقد كانت مصر مركزا من مراكز العلم، ظهر فيها الشافعي، وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الذين يأتم بهم المسلمون، ويعتمدون عليهم في الفقه وتفسير العقائد والعبادات. وانتشر أيضا مذهب مالك، وكان له في مصر تلاميذ كثيرون نذكر منهم أشهب، وابن القاسم، وأصبغ بن الفرج.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٩