ويحسن أن نتتبع نشأة هذه البيئة الدينية منذ ظهورها إلى أن اتخذت لونا خاصا في شمال أفريقيا، وفي القيروان على وجه الخصوص، وهي المدينة التي ولد القابسي ونشأ فيها، إذ كان هذا التحول لازما لفهم البيئة التي نتحدث عنها.
جاء في كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم
أن الدين الإسلامي هو الدين الذي يجب اتباعه:
إن الدين عند الله الإسلام (آل عمران: 19)،
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (آل عمران: 85)، ولذلك كانت غاية المسلمين أن ينشروا دينهم في جميع البلاد. وكانت وسيلتهم إلى تحقيق هذه الغاية الدعوة والغزو. وقد عمل النبي
صلى الله عليه وسلم
والذين آمنوا معه من العرب بهذه العقيدة الدينية والسياسية؛ لأنهم كانوا يعملون في سبيل الله، ويؤمنون بما جاء على لسان رسوله.
وقد قوت هذه العقيدة عزائم المسلمين، وحفزتهم إلى دعوة الشعوب المختلفة إلى اعتناق الإسلام، بل دفعتهم إلى غزو هذه الشعوب، وإلى فرض الدين الإسلامي على أهلها. ذلك أن الشروط التي اتبعها الغزاة من العرب في فتوحاتهم هي قبول الإسلام أو الجزية أو القتال:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29).
وانتهى بذلك كثير من الشعوب المختلفة إلى الدخول إلى الإسلام.
وامتدت الفتوحات شرقا وغربا في دائرة مركزها جزيرة العرب: فسقطت دولة الفرس، وغلبت الروم، وأخذت العرب فلسطين والشام.
واتجهوا غربا نحو مصر، ففتحها عمرو بن العاص. «وكان مسير عمرو إلى مصر في سنة تسع عشرة.»
1
ولما تم لعمرو فتح مصر، وهزم جيش الروم، وسلم له أهلها، أراد أن يتوسع في الفتح فسار غربا إلى شمال أفريقيا، حتى نزل طرابلس في سنة اثنين وعشرين فقوتل، ثم افتتحها عنوة. وكتب إلى عمر بن الخطاب: «إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها فعل. فكتب إليه ينهاه عنها.»
2
ولما ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان، غزا شمال إفريقية في سنة سبع وعشرين، ويقال في سنة ثمان وعشرين، ويقال في سنة تسع وعشرين.
3
وصالح عبد الله بن سعد بطريق إفريقية على جزية بعد أن هزم جيشه، «ورجع إلى مصر، ولم يول على إفريقية أحدا، ولم يكن لها يومئذ قيروان، ولا مصر جامع.»
4
وقد لخص ابن خلدون ما وقع في هذا الفتح فقال: «قد ذكرنا في خلافة عثمان بن عفان شأن فتح إفريقية على يد عبد الله بن أبي سرح، وكيف زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار العرب. ففض جموع النصرانية الذين كانوا بها، من الفرنجة والروم والبربر، وهدم سبيطلة قاعدة ملكهم، وخربها، واستبيحت أموالهم، وسبيت نساؤهم وبناتهم، وافترق أمرهم، وساحت خيول العرب في جهات إفريقية، وأثخنوا في أهل الكفر قتلا وأسرا، حتى لقد طلب أهل إفريقية من ابن أبي سرح أن يرحل عنهم بالعرب إلى بلادهم ويعطوه ثلاثمائة قنطار من الذهب، ففعل. وقفل إلى مصر سنة سبع وعشرين.»
5
وتم فتح إفريقية في خلافة معاوية على يدي عقبة بن نافع، الذي «غزاها في عشرة آلاف من المسلمين، فافتتحها واختط قيروانها ... ثم بنى، وبنى الناس معه الدور والمساكن، وبنى المسجد الجامع بها.»
6
وكان ذلك سنة خمس وأربعين.
ولما استقل يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع إلى إفريقية سنة اثنتين وستين. «فدخل إفريقية وقد نشأت الردة في البربر، فزحف إليهم ... وفر منه الروم والفرنجة، فقاتلهم وفتح حصونهم ... ثم رحل إلى طنجة، فأطاعه يليان ملك عمارة وصاحب طنجة، وهاداه، ودله على بلاد البربر وراءه بالمغرب، مثل بلاد المصامدة وبلاد السوس ... فسار عقبة وفتح وغنم ... وكان كسيلة ملك أوربة والبرانس من البربر قد اضطغن عليه ... فانتهز الفرصة، وأرسل البربر فاعترضوا له وقتلوه في ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، واستشهدوا كلهم ... واستأمن من كان بالقيروان إلى كسيلة، فأمنهم ودخل القيروان، وأقاموا في عهده.»