أما البلاد الشرقية الأخرى التي كان المغاربة يتوجهون إليها فهي مكة والمدينة. وكانوا يذهبون إليهما بحكم الضرورة: في مكة الكعبة التي يحج إليها كافة المسلمين ليؤدوا فريضة الحج التي أمر الله بها، وفي المدينة قبر النبي
صلى الله عليه وسلم ، يزوره الحجاج، ويشهدون مهبط الوحي، والبيئة الأولى التي ينبع منها الدين.
في مصر ومكة والمدينة من العلماء المتمكنين في العلم غنية لمن يطلب التوسع في أسرار الدين، والتفقه في أحكام المعاملات والعبادات والتشريع.
لذلك كان من الطبيعي أن يتصل المغاربة وهم راحلون إلى الحج بالبيئات العلمية في مصر ومكة والمدينة، فلما تفقه بعضهم ونبغوا، كانوا تلامذة لشيوخ مصر والحجاز، وثمارا من شجرتهم الباسقة، وألسنة تذيع مناهجهم العقلية والنقلية في بلاد المغرب، وفي هذا يقول ابن خلدون: «وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، لأن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم. والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق. ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة. وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله، وتلاميذه من بعده. فرجع إلى أهل المغرب والأندلس، وقلدوه دون غيرهم ممن لم تصل إلينا طريقته.»
17
وسحنون هو الذي نشر مذهب مالك بالمغرب.
سمع سحنون من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وسفيان بن عيينة. قال سحنون: «خرجت إلى ابن القاسم وأنا ابن خمس وعشرين، وقدمت إلى إفريقية ابن ثلاثين سنة.»
وكان سحنون ثقة حافظا للعلم، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والورع الصادق، والزهادة في الدنيا.
وسلم له بالإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه. سئل أشهب عمن قدم إليكم من المغرب، قال: سحنون. قال له: فأسد؟
18
قال: سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة. وقال ابن القاسم: ما قدم إلينا من إفريقية مثل سحنون. وقال الشيرازي: إليه انتهت الرياسة في العلم بالمغرب، وعلى قوله المعول بالمغرب. قال سحنون: كنت عند ابن القاسم وجوابات مالك ترد عليه، فقيل له: ما منعك من السماع منه؟ قال: قلة الدراهم. وقال مرة أخرى: لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت مالكا.
صنف سحنون «المدونة»، وعليها يعتمد أهل القيروان، وعنه انتشر علم مالك بالمغرب.
وذكر ابن خلدون رواية أخرى عن تصنيف المدونة قال: «ورحل من إفريقية أسد بن الفرات فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا ثم انتقل إلى مذهب مالك، وكتب عن ابن القاسم في سائر أبواب الفقه، وجاء إلى القيروان بكتابه، وسمي الأسدية، فقرأ بها سحنون على أسد. ثم ارتحل سحنون إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه، وعارضه بمسائل الأسدية، فرجع عن كثير منها، وكتب سحنون مسائلها ودونها، وأثبت ما رجع عنه؛ وكتب لأسد أن يأخذ بكتاب سحنون فأنف من ذلك. فترك الناس كتابه، واتبعوا مدونة سحنون.»
19
وتوفي سحنون سنة 240 للهجرة.
وسار محمد بن سحنون
20
سيرة أبيه في تثبيت مذهب مالك بالقيروان والمغرب، وكان قد تفقه بأبيه، وجلس في مجلسه بعد موته.
كان محمد إماما في الفقه، ثقة عالما بالذب عن مذاهب أهل المدينة، عالما بالآثار. وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة. وكان يحسن الحجة والذب عن أهل السنة والمذهب.
وكان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب جامعا لخلال قلما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز.
على يد هؤلاء انتشر مذهب مالك في المغرب خلال القرن الثالث، وأصبح هو المذهب السائد في تلك الأنحاء، واتبعه الفقهاء جيلا بعد جيل. ولهذا لم يكن من الغريب أن ينشأ القابسي مالكيا؛ لأنه ولد في المغرب فتأثر بالبيئة الغالبة في عصره، وهي بيئة تبني الفقه الإسلامي على أساس من القرآن والحديث، ولذلك اصطلح العلماء على تسميتهم بأهل الحديث. (2) منهج الفقهاء من أهل الحديث