16
والذين يجيزون الأجر يعتمدون على أحاديث الرسول أيضا. منها حديث «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.» وفي حديث الرقية: «أن بعض أصحاب النبي رقوا ملدوغا بالقرآن واشترطوا جعلا، وسألوا النبي في ذلك فقال: «اقسموا واضربوا لي معكم سهما.» فالحديث يجيز أخذ الإجارة على كتاب الله ممن ينتفع به.» 360-ب.
إنما الأجر المعيب أن يكون للتكسب بالقرآن كما في الحديث: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تراءوا به، ولا تسمعوا به.»
هذا ولا يرى أئمة المسلمين بأسا بأخذ الإجارة على التعليم. وقد جرى المسلمون على ذلك وأجازوه، «وذكروا ذلك عن عطاء بن رباح، وعن الحسن البصري، وعن غير واحد من الأئمة الصالحين.» 34-ب.
وهذا يدحض حجة القائلين بعدم جواز أخذ الأجر اعتمادا على ما كان يعمل السلف الصالح.
عن مالك: «كل من أدركت من أهل العلم لا يرى بأجر المعلمين - معلمي الكتاب - بأسا.»
وعن ابن وهب في موطئه: «سمعت مالكا يقول: لا بأس بأخذ الأجر على تعليم القرآن والكتابة.» «وفي المدونة أن سعد بن أبي وقاص قدم برجل من أهل العراق، وكان يعلم أبناءهم الكتابة والقرآن بالمدينة، ويعطونه على ذلك الأجرة.»
وعن مالك: «لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن، وإن اشتراط شيئا كان حلالا له جائزا.»
وبذلك حل القابسي مشكلة أخذ الأجر على تعليم القرآن، وأجاز ذلك كما أجازه جميع أئمة المذهب المالكي.
وبقيت المشكلة الثانية وهي أخذ الأجرة على تعليم غير القرآن؛ فهي موضع خلاف بين فقهاء المالكية.
ذلك أن مالكا لا يجيز الأجر على غير القرآن والكتابة، حيث أجاب عن أجر الشعر كما يأتي: «أما الاستئجار على تعليم الشعر لولده فقال فيه ابن القاسم، قال مالك: لا يعجبني هذا.» 43-أ.
وسحنون من رأي مالك وابن القاسم 44-ب.
أما ابن حبيب فقال: «لا بأس بإجارة المعلم على تعليم الشعر والنحو والرسائل وأيام العرب وما أشبه ذلك من علم الرجال وذوي المروءات.» 44-ب.
وإذا علمنا أن ابن حبيب كان فقيه الأندلس، فليس لنا أن نعجب إذا أجاز تعليم الشعر وأخذ الأجرة عليه، فالأندلس بيئة الجمال والفن والشعر.
ويرى القابسي أن وجه الخلاف في الأجر عند الفقهاء: «إنما هو في إفراد المعلم بالإجارة على غير القرآن والكتابة. فأما ما كان من معاني التقوية على القرآن من الكتابة والخط فما اختلفوا فيه.» 43-أ.
وهذا يدلنا على حقيقتين: الأولى الحث على تعليم القرآن ولهذا أجازوا الأجر، والثانية منع تعليم شيء غير القرآن، حتى لا ينصرف الناس إلى هذه العلوم عن القرآن نفسه. ولهذا السبب نصح القابسي بالاقتصاد في تعليم الشعر حتى: «لا يغلب الشعر على الإنسان فيصده عن ذكر الله والقرآن.» 46-أ.
فالقرآن هو الهدف الأول والأخير من التعليم، وفي سبيل تعليمه ونشره أجازوا أخذ الأجرة.
وقد لخص السيوطي في (الإتقان) الكلام في الأجر فقال: «أما أخذ الأجرة على التعليم فجائز. ففي البخاري: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله».» وقيل إن تعين لم يجز، واختاره الحليمي. وقيل لا يجوز مطلقا لحديث أبي داود عن عبادة بن الصامت أنه: علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا، فقال له النبي إن سرك أن تطوق به طوقا من نار فاقبلها.
وفي (البستان) لأبي الليث: «التعليم على ثلاثة أوجه، أحدها للحسبة ولا يأخذ به عوضا؛ والثاني أن يعلم بالأجرة؛ والثالث أن يعلم بغير شرط فإن أهدي إليه قبل. فالأول مأجور وعليه عمل الأنبياء، والثاني مختلف فيه والأرجح الجواز، والثالث يجوز إجماعا لأن النبي كان معلما للخلق وكان يقبل الهدية.»
17
ولخص طاش كبري زاده آراء الفقهاء الذين أجازوا أخذ الأجرة على التعليم، ثم قال: «وقيل لا يجوز مطلقا وهو مذهب أبي حنيفة. إلا أن المتأخرين من أصحابه قالوا لا بأس في أخذ الأجرة على تعليم القرآن وللتدريس، لظهور التواني والتكاسل في هذا الزمان. ولو منع ذلك لانسد الباب.»