تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين يكرهون أخذ الأجر على تعليم القرآن يعتمدون على حجج ثلاث:

الأولى: «أن القرآن يعلم لله، فلا ينبغي أن يؤخذ عنه عوض.» وهذه الحجة دينية تطالب المعلمين أن يعلموا في سبيل الله.

والثانية: «أن أئمة المسلمين في صدر الأمة، ما فيهم إلا من قد نظر في جميع أمور المسلمين بما يصلحهم في الخاصة والعامة، فلم يبلغنا أن أحدا منهم أقام معلمين يعلمون للناس أولادهم من صغرهم في الكتاتيب، ويجعلون لهم على ذلك نصيبا من مال الله.» 32-ب.

وهذه حجة تعتمد على التقاليد الموروثة، وعلى العادات التي كانت تصدر عن السلف الصالح. وأعمال أئمة المسلمين حجة على غيرهم وأصل من أصول الدين.

وعلى هاتين الحجتين اعتمد الغزالي في تحريم الأجر حيث قال في الوظيفة الثانية للمعلم المرشد: «أن يقتدي بصاحب الشرع

صلى الله عليه وسلم

فلا يطلب على إفادة العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا، بل يعلم لوجه الله تعالى وطلبا للتقرب إليه، ولا يرى لنفسه منة عليهم، وإن كانت المنة لازمة لهم.» إلى أن قال: «فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام، والتدريس فيهما وفي غيرهما، فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون صفات الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات ... فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم يفرح بها، ثم لا يستحي من أن يقول غرضي من التدريس نشر العلم تقربا إلى الله تعالى ونصرة لدينه.»

15

والحجة الثالثة:

حديث القوس الذي ينسب إلى الرسول عليه السلام. وسنة الرسول هي الأصل الثاني من أصول الفقه بعد كتاب الله.

ونذكر هذا الحديث لأهميته كما جاء في رسالة القابسي: «عن عبادة بن الصامت: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى لي رجل منهم قوسا. فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. لآتين رسول الله فلأسألنه. فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى لي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب؛ القرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: إن كنت تحب أن تكون طوقا من النار فاقبلها.» 39-أ.

ويعلق ابن حبيب على هذا الحديث بقوله: «وتأويل هذا النهي أن ذلك كان في مبتدأ الإسلام، وحين كان القرآن قليلا في صدور الرجال، غير فاش ولا مستفيض في الناس. وكان الأخذ على تعليمه يومئذ، وفي تلك الحال، إنما كان ثمنا للقرآن. أما بعد أن صار فاشيا في الناس، قد أثبتوه في المصاحب، وصارت المصاحف وما فيها مباحة للجاهل والعالم، وللقارئ وغير القارئ، غير محجوبة ولا ممنوعة، ولا مطلوبة إلى قوم دون قوم، ولا مخصوص بها قوم دون غيرهم، فإنما الإجارة على تعليمه إجارة البدن المشتغل بذلك، وليس ثمنا للقرآن.» 39-ب.

وبهذا أخرج ابن حبيب المسألة من الأجر على القرآن إلى الأجر على الاشتغال بالتعليم، فتحلل من القرآن بأن يكون الأجر ثمنا للقرآن.

وهذا تحليل غريب في بابه؛ لأنه مع افتراض أن الأجر الذي يتناوله المعلم إنما يأخذه عوضا عن الوقت الذي يشغله، والمجهود الذي يبذله، فإن هذا لا يعني أن الشيء الذي يعلمه هو القرآن، وأنه هو الأصل في التعليم.

أما القابسي فإنه يجعل لحيازة الصبي في الكتاب أجرا، ولتعليمه أجرا آخر، وذلك كما قال عن المعلم الذي يحفظ الصبي الأبله الذي لا يستفيد، ويأخذ أجرا على حوزه لا على تعليمه. فإجارة البدن المشتغل بالتعليم من الأمور المتفق عليها، ويبقى أجر القرآن والتعليم.

وقد وقف القابسي من حديث القوس موقفا يختلف عن موقف ابن حبيب، ذلك أنه لم يقبل الحديث ويعمل على تخريجه وتأويله ذلك التخريج الغريب الذي رأيناه، ولكنه شك في صحة الحديث فقال: «ولو ثبتت صحة نقل حديث القوس على ما ذكر.» 39-أ.

وشك القرطبي أيضا في حديث القوس فقال: «وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زيادة الموصلي عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة عنه؛ والمغيرة معروف بحمل العلم، ولكن له مناكير هذا منها. قاله أبو عمر عبد البر. ثم قال: وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم، لكنه عن عبادة من وجهين؛ وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي، وهو منقطع، وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٨٨