تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن مرض أو عليه شغل: «فهو يستأجر لهم من يكون فيهم بمثل كفايته لهم، إذا لم تطل مدة ذلك. كذلك إن سافر سفرا قريبا؛ اليوم واليومين وما أشبههما، يقيم من يوفيهم كفايته لهم. وكذلك إذا لم يستطع مغالبة النوم، فليقم فيهم من يخلفه عليهم.» 65-أ، 66-أ.

هذا التعويض ملحوظ فيه مصلحة الصبيان، وتقديم المقابل المادي الذي يتناسب مع إخلال المعلم بواجبه. وميزان المادة أصدق الموازين. وملحوظ فيه الرفق بالمعلم إذا كان عنده عذر في تخلفه عن التعليم، ولا يخلو إنسان عن الأعذار الطارئة والظروف العارضة كالمرض وغيره. وملحوظ فيه احترام شخصية المعلم، بوضع الأمور في موضعها الصحيح، حتى يكون قدر المعلم محفوظا مهيبا.

بهذا تستقيم شخصية المعلم العلمية والدينية والخلقية وتخلو من الشوائب، فلا تؤثر أثرا سيئا في نفوس الصبيان الذين يتصل بهم. وصلاح المعلم فيه صلاح الصبيان؛ لأنه القدوة لهم والمثل الأعلى بالنسبة إليهم.

الحقيقة أن شخصية المعلم في القرن الرابع كانت قوية تبسط ظلها على المجتمع بأسره، خصوصا في القرى والأقاليم النائية عن العواصم، حيث يعتبره أهل الجهة التي يقوم فيها بالتعليم أكثرهم ثقافة، وأسماهم منزلة، وأشدهم معرفة بالدين.

وسلطة المعلم على الصبيان ظل لشخصيته.

وقد كانت سلطة المعلم عظيمة القدر كبيرة الأثر، أجازها القابسي للمعلمين واعترف بها لهم.

والمعلم يستمد هذه السلطة من الوالد، إذ يقوم مقامه، ويحل محله في تربية الأبناء وتثقيفهم: «لأنه هو المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يصلح لهم، والقائم بإكراههم على مثل منافعهم، فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن رفقه بهم، ولا من رحمته إياهم، فإنما هو لهم عوض من آبائهم.» 54-أ.

وجميع المربين في الإسلام ينظرون إلى المعلم هذه النظرة الروحية. قال صاحب (مفتاح السعادة) عند الكلام على الوظيفة الثانية للمعلم: «أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه.»

13

والوظيفة الأولى للمعلم المرشد عند الغزالي هي الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه.

14

فإذا تقررت السلطة للمعلم فهو مسئول عن الصبيان؛ لأنه لا مسئولية لمن لا سلطة له، فالمعلم صاحب سلطة وصاحب مسئولية، ويجب عليه حسن رعاية الصبيان لأن: «نظره فيمن التزم النظر له من الصبيان رعاية يدخل بها في قول الرسول: «كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته».» 53-أ.

والقابسي حين يقرر للمعلم هذه السلطة العظيمة التي تساوي في مقدارها سلطة الوالد، إنما يرمي إلى فائدة الصبيان أنفسهم، من جهة ثقافتهم العقلية، ورياضتهم الخلقية؛ لأن المعلم إذا شعر بنقص في سلطته عجز عن حكم الصبيان، وخرجوا على طاعته، وامتنع عليه أن يدفعهم إلى الامتثال لأمره. أما إذا باشر السلطة الكاملة التامة فإنه يأمر فيطاع، وينصح فيسمع.

ولا يستطيع المعلم أن يعتذر عن فساد النتيجة في التعليم والتأديب بنقص سلطته، فهو مسئول عن صبيانه في تحصيلهم للدرس وسلوكهم المهذب.

ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على أعماله لأنه يتحمل المسئولية المستمدة من السلطة.

فإذا نقص حذق الصبي حتى ينتهي إلى ما يسمى تعلما، في إجادته ومعرفته بالشكل والهجاء والنظر في المصحف، ويملي على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها ولا يستمر في قراءتها، فإن هذا المعلم يعتبر مفرطا إذا كان يحسن التعليم، ومغررا إذا كان لا يحسن التعليم.

وهو مسئول سواء فرط أو غرر.

ثم ذكر القابسي آراء العلماء في مثل هذا المعلم فقال: «إنه يستأهل الأدب لتفريطه فيما وليه، وتهاونه بما التزمه، وأن يمنع من التعليم. وهو صواب إذا كان شأنه التفريط أو الغرور بتعليمه وهو لا يحسن.»

ورأي بعضهم «أن مثل هذا المعلم يستأهل اللوم والتعنيف والغلظة والتأنيب من الإمام العدل.» 72-أ.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٨٥