ولا بأس أن ينظر المعلم في كتب العلم في الأوقات التي يستغني الصبيان عنه، مثل أن يصيروا إلى الكتابة، وأملى بعضهم على بعض 64-أ.
ولا يجوز له الصلاة على الجنائز إلا ما لا بد منه؛ لأنه أجير لا يدع عمله ويتتبع الجنائز والمرضى.
وشهود النكاحات وشهادة البياعات لا تجوز، هي مثل شهود الجنازة وعيادة المريض أو أشد 65-ب.
وإن كانت عنده شهادة والسلطان عنه بعيد، في سيره إليه شغل عن صبيانه فله عذر في تخلفه عن أدائها. وإن سافر سفرا بعيدا أو خيف بعد الغريب لما يعرض في الأسفار من الحوادث فلا يصلح له ذلك.
وإذا غلب النوم على المعلم، فيغالبه إن استطاع في وقت التعليم.
فهذه كلها صفات خلقية تتصل بالعمل في الكتاب ووجوب الانصراف إلى التعليم.
وجماع هذه الصفات يندرج تحت عنوان واحد هو واجب المعلم نحو عمله.
هذا الواجب - الذي ينبغي أن يكون - شيء والواقع شيء آخر.
قال صاحب (مفتاح السعادة): «ينبغي أن يكون تعليمه (أي المعلم) لوجه الله تعالى، ولا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا رسما ولا عادة، ولا زيادة جاه ولا حرمة، وإنما يريد ابتغاء مرضاة الله، والامتثال لأوامره، والاجتناب عن نواهيه، ويريد نشر العلم، وتكثير الفقهاء، وتقليل الجهلة، وإرشاد عباد الله إلى الحق، ودلالتهم على ما يصلحهم في النشأتين، وإظهار دين الله، وإقامة سنة رسول الله، وتشييد قواعد الإسلام، والتفريق بين الحلال والحرام، ويكون مخلصا في ذلك راغبا في الآخرة.»
10
وعن شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري في بيان شروط تعليم العلوم وتعلمها: «أن يقصد به ما وضع ذلك العلم له، فلا يقصد به غير ذلك كاكتساب مال أو جاه أو مغالبة خصم أو مكابرة.»
11
وفي مقدمات ابن رشد: «يجب على طالب العلم ألا يريد بتعلمه الرياء والسمعة ولا غرضا من أغراض الدنيا.»
12
وقد فصل الغزالي في (الإحياء) و(ميزان العمل) وظائف المعلم بما لا يخرج عن ذلك. وقد ذكر كثير من الفقهاء قبل ذلك ما ينبغي أن يكون عليه المعلم، وكلهم مجمعون على أن المعلم لا ينبغي أن يطلب سمعة أو جاها أو مالا أو مصلحة.
أما الواقع فيختلف عما ينبغي أن يكون؛ ذلك أن المعلم في القرن الرابع كان يطلب المال ليعيش، أو السمعة ليرتفع قدره، لهذا كان يشتغل عن التعليم بالنظر في كتب العلم، وكتابة الرسائل للناس، وشهود النكاحات والبياعات والصلاة وراء الجنائز وما إلى ذلك.
ولم يكن الحال كذلك في الصدر الأول للإسلام؛ لأن الروح الديني الصادق كان متغلغلا في الصدور، فتيا في القلوب، حتى إذا تقدمت العصور بالمسلمين شغلوا كثيرا بالأمور الدنيوية.
وقد أشار السيوطي كما سبق أن ذكرنا إلى امتناع بعض المشايخ من إعطاء الإجازة إلا بالمال. ولم تقرر هذه العادة إلا في عصر متأخر عن عصر القابسي.
فشخصية العلم الخلقية كانت متصلة إذن اتصالا وثيقا بالحالة الاقتصادية السائدة في المجتمع. واختلال الميزان الاقتصادي بين الطبقات الرفيعة والدنيا، هو الذي أدى مع الزمن إلى تحول المعلمين وغيرهم من أصحاب الصناعات الدينية والعقلية إلى البحث عن المادة، والانصراف عن العلم الصحيح، والروح الديني الحق.
ولم يكن القابسي مغاليا في التطلع نحو المثل العليا البعيدة التحقيق، بل أجاز الأجر للمعلم، ووافق على قبوله العطية في الأعياد كما جرت به العادة.
ولكنه لم يقبل أن تمتد يد المعلم إلى غير أجره المشترط عليه. ولذلك وضع قواعد الجزاء على اشتغال المعلم عن التعليم.
أما الاشتغال الخفيف الذي لا يؤثر في مصلحة الصبيان فقد أجازه: «مثل الذي يكون في حديثه في مجلسه ... فهذا وما أشبهه يقل خطبه، ويخف قدره، فيتحلل من آباء الصبيان مما أصاب ذلك إن كان الأجر من أموالهم.»
وإن كان الأجر من أموال الصبيان، فلا بأس أن يعوضهم من وقت عادة راحته ما يجبر لهم ما نقصهم من حظوظهم باشتغالهم ذلك.