تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقابسي لا يتهاون مع المعلم المقصر في أداء واجباته، ويفرض عليه جزاء أدبيا وماديا، قد يصل من الشدة إلى درجة منع المعلم من التعليم. والجزاء المادي يتصل بنقص أجر المعلم المتفق عليه أو عدم دفعه، فإذا أخرج الصبي من عند معلم إلى معلم آخر ولم ينل عند الأول «من التعليم شيئا له منفعة.» فالجعل كله للثاني، وقل ما يناله الأول.

ومسئولية المعلم ظاهرة أيضا في العقوبات التي يوقعها على الصبيان إذا خرجت على الحدود المشروعة.

فهو مسئول عن الألفاظ القبيحة التي تصدر عنه في ساعة الغضب، ويجب عليه الاستغفار عنها والاستعاذة منها.

وإذا تعدى المعلم في ضربه: «فهذا إنما يقع من المعلم الجافي الجاهل.» وفي وصف المعلم بالجفاء والجهل كفاية في عقابه على قسوته وخروجه على الحدود.

ومسئولية المعلم شديدة إذا أدى الضرب إلى إلحاق الضرر بالصبي، وقد نظر الفقهاء في مثل هذه الأحوال، ووضعوا العقوبة التي تفرض على المعلم في كل حالة منها.

سئل مالك عن معلم لو ضرب صبيا ففقأ عينه أو كسر يده، فقال: إن ضربه بالدرة على الأدب، وأصابه بعودها فكسر يده أو فقأ عينه، فالدية على العاقلة إذا فعل ما يجوز.

فإن مات الصبي فالدية على العاقلة بالقسامة، وعليه الكفارة.

فإن ضربه باللوح أو بعصا فقتله، فعليه القصاص؛ لأنه لم يؤذن له أن يضربه بعصا ولا بلوح.

فسلطة المعلم تبسط على الصبيان في تعليمهم وفي تأديبهم. وهو مسئول عن حسن تعليمهم وكمال تأديبهم؛ لهذا منح المعلم حرية، إلا تكن مطلقة، فهي حرية واسعة.

وتقييد حرية المعلم ينشأ من جهات كثيرة.

فهو مقيد بالمناهج الموضوعة لا يستطيع أن يتركها إلى غيرها. بل لقد نص الفقهاء على إبعاد بعض المواد من المنهج والنهي عن تدريسها، كالشعر الذي يكون فيه الهجاء أو العزل.

وهو مقيد في التأديب بشروط إذا تجاوزها أصبح مسئولا، ويحاسب على ذلك حسابا أدبيا وماديا.

فليس له أن يضرب إلا بالدرة لتكون رطبة مأمونة، فإذا ضرب بعصا أو بغير ذلك كان مسئولا. وحد الضرب ثلاث ضربات، وإذا أراد أن يزيد عليها فعليه أن يستشير ولي أمر الصبي وأن يستأذنه في زيادة الضرب.

والقيد الشديد هو استشارة أولياء أمور الصبيان والرجوع إليهم. ذلك أن المعلم يستمد سلطته من آباء الصبيان، ولهؤلاء أن يستردوا هذه السلطة إذا شاءوا. وقد أوجب القابسي على المعلم أن يرجع إلى ولي أمر الصبي في أمور كثيرة تخص عمله وحضوره إلى الكتاب وغيابه عنه، وإدمانه البطالة، وعقابه، إلى غير ذلك من الشئون التي تعرض للصبيان في الكتاتيب.

واستشارة أولياء الأمور، وإبلاغهم أحوال أبنائهم في دراستهم وأخلاقهم يدل على التعاون الواجب بين البيت والمدرسة، وفي هذا التعاون فوائد كثيرة تعود على التلميذ بالخير.

مثال ذلك أن الصبي إذا هرب من الكتاب وتعود البطالة، فإن المعلم إذا سأله عن علة غيابه أخبره أنه في البيت، على حين يعتقد أبوه أنه موجود في الكتاب، والحقيقة أنه لا يوجد في البيت، ولا في الكتاب، بل يلهو ويعبث ويلعب في الأزقة والشوارع. فإذا بادر المعلم بإخبار الآباء عن غياب أبنائهم عرف هؤلاء ما يعمل الصبيان فيعاقبونهم ويردعونهم ويعملون على التزامهم الذهاب إلى الكتاب.

وفي حالة الصبي الأبله الذي لا يستفيد من الدرس «ولا يحفظ ما علم، ولا يضبط ما فهم.» على المعلم أن يعرف الآباء بمكان هذا الصبي من فقد الفهم. فإذا رضي الوالد أن يترك ابنه في الكتاب، فإنه يدفع الأجر على حيازته لا على تعليمه.

ولا شك أن الصبيان في حاجة إلى الرقابة؛ لأن سنهم الصغيرة لا تسمح بالحرية المطلقة التي يشعر فيها الإنسان بالمسئولية ويحمل تبعاتها. والرقابة الدقيقة يجب أن تصدر عن البيت والكتاب معا، حتى لا يجد الصبي ثغرة ينفذ منها إلى الإهمال في الحفظ، والإقبال على العبث، فتضيع الفائدة المنشودة.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٨٦