وقال في موضع آخر: «ولا يحل للمعلمين أن يأمروا الصبيان أو يكلفوهم إحضار طعام أو غيره، وإن قل قدره، كالحطب وغيره، من بيوت آبائهم.» 66-أ.
ومن الوصف السابق يتضح لنا سلطان المعلم على الصبيان، وقوة شخصيته وخضوع الصبيان لأمره، إلى درجة أن القابسي يعد صبيان المعلم جزءا منه، إذا وقع منهم الأذى فهو المسئول عنهم.
ومن هذا الوصف لسلوك المعلم تتضح لنا صفحة من صفحات التاريخ، وجزء من التقاليد التي سادت في القرن الرابع.
ولا نحب أن نسوغ هذه الأفعال للمعلمين، ولكننا نقول: إن الشعب مسئول عن إفسادهم في هذه الناحية، إذا اعتبرنا الطلب نوعا من الفساد الخلقي. ذلك أن عادة الطلب والسؤال جاءت من جهتين: الأولى العطية على الختمة، والثانية عطية الأعياد. وقد جرت عادة الناس أن يعطوا في الحالتين: فرحا بختم أولادهم القرآن وابتهاجا بقدوم الأعياد.
روي أن سحنون قضى بسبعة دنانير في ختمة البقرة.
7
وحكى ابن الدباغ أن عبد الله بن غانم الرعيني - قاضي القيروان عام 171 - دخل عليه يوما ولد صغير له من المكتب فسأله عن سورته فقال: حولني المعلم من سورة الحمد. فقال له اقرأها، فقرأها. فقال له تهجها، فتهجاها. فقال له أبوه: ارفع ذلك المقعد فرفعه، فإذا تحته دنانير دون العشرين وفوق العشرة، فقال له: ارفعها إلى معلمك، فرفعها إليه فأنكرها المعلم على الولد، وظن بعض الظن، وحملها إلى عبد الله بن غانم. فقال له عبد الله كالمعتذر: لعلك رددتها استقلالا لها! فقال المعلم: ما أتيت لهذا، وإنما ظننت ظنا. فقال له القاضي: أتدري ما علمته يا معلم؟ كل حرف منها خير من الدنيا وما فيها.
8
وقد أجاز الفقهاء أيضا العطية في الأعياد. قال القابسي: «عطية العيد لا يقضى بها إلا أن يتطوعوا، من شاء منهم فعل، ومن شاء لم يفعل.» 73-ب. ويقول ابن حبيب الفقيه المالكي: «وفعل ذلك حسن من فعله، وتكرم من آباء الصبيان لمعلميهم، ولم يزل ذلك مستحسنا في أعياد المسلمين.» 73-ب.
ثم أوجب الفقهاء العطية في العيدين، نزولا على العرف السائد؛ فالأصل في الحكم عدم القضاء بالعطية في العيد إلا إذا تطوع الآباء. ولكن للعادات حكم آخر، لذلك أوجب القابسي العطية في الأعياد. أو كما يقول: «وكذلك المسلمون عندي في هذه العادات، إذا كانت مستحسنة في الخاصة، فانتشارها على وصفنا يوجبها.» 74-أ.
وروى المالكي: «أن الأمراء من بني الأغلب كانوا يأتون جامع القيروان ليلة نصف شعبان وليلة نصف رمضان، ويعطون فيها من الصدقات كثيرا ثم يخرجون في حشمهم وأهل بيتهم وخدمتهم من الجامع إلى المدينة، فيزورون دور العباد والعلماء والكتاتيب والمدارس، فيوزعون عليهم الأموال والعطايا الجسيمة.»
9
فالخاصة كما نرى هم الذين بدءوا بتقديم العطايا إلى المعلمين، وتبعهم في ذلك العامة، وما زال الأمر كذلك إلى أن أصبح من العادات الثابتة في المجتمع، التي يحترمها المشرعون ويأخذون بها في أحكامهم.
فإذا رأى المعلمون أن يطلبوا الهدايا في مناسبات أخرى غير الأعياد كالزواج والميلاد وغير ذلك، فالجمهور هو الذي شق لهم طريق العطية في العيدين، بل في: «رمضان وفي القدوم من سفر.» 74-أ. وأجاز القابسي كل ذلك.
ومما يعاب على المعلم أن ينصرف عن التعليم، فيشغل نفسه، أو يشغل الصبيان بغير طلب العلم. وقد أفاض القابسي القول في ذكر هذه الأحوال الشاغلة للمعلم.
فلا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في حوائجه. سئل سحنون هل يرسل الصبيان بعضهم في طلب بعض، فقال: «لا أرى ذلك إلا أن يأذن له أولياء الصبيان في ذلك، أو يكون الموضع قريبا لا يشغل الصبيان في ذلك.» 63-أ.
وعن سحنون: «ولا يجوز للمعلم أن يشتغل عن الصبيان، إلا أن يكونوا في وقت لا يعرضهم فيه، فلا بأس أن يتحدث وهو في هذا ينظر إليهم، ويتفقدهم.» 63-ب.