تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالاختلاف القريب لا يوجد التفاضل في الجعل. مثل: «أن أحدهما يكون رفيع الخط والآخر ليس كذلك.»

ويقع التفاضل إذا كان أحدهما لا يحسن إلا القرآن والكتابة، والآخر يعرف إلى جانب ذلك الشكل والهجاء وعلم العربية والنحو والشعر، 69-أ.

ومن هذا نرى أن المعلمين في عصر القابسي كانوا على ضربين: بعض لا يعرف إلا القرآن والكتابة، وبعض آخر تتسع ثقافته لمعرفة علوم أخرى غير القرآن، فترتفع منزلته العلمية، وإذا وضع في ميزان المادة الصحيح عند أصحاب الفلسفة المادية، كان أوفر أجرا وأكثر جعلا.

فالميزان الذي تقاس به الشخصية العلمية عند القابسي هو معرفة القرآن ومعرفة النحو والعربية وأيام العرب والشعر.

ولكن القابسي لم يذكر الطريقة التي نحكم بها على معرفة المعلم وثقافته، بحيث نجيز له التعليم.

ولم تكن هناك إجازة يشترط أن يحصل المعلم عليها ليكون صالحا للتعليم حتى يرخص له بمزاولة المهنة. «فمن علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد. وعلى ذلك السلف الأولون، والصدر الصالح. وكذلك في كل علم، وفي الإقراء والإفتاء، خلافا لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا. وإنما اصطلح الناس على الإجازة لأن أهلية الشخص لا يعلمها غالبا من يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم لقصور مقامهم عن ذلك.»

5

أما اشتراط حصول المعلم على إجازة لتعليم القرآن، فإنما جاء بعد العصر الذي عاش فيه القابسي، أي بعد القرن الرابع، وهو دليل على شعور المجتمع بوجود كثير من المعلمين غير أهل للقيام بالتدريس.

ثم تطورت الأحوال إلى ما هو أبعد من ذلك، نعني: «اعتياد مشايخ القراء من امتناعهم عن الإجازة إلا بأخذ مال في مقابلها، وهذا لا يجوز إجماعا ... وليست الإجازة مما يقابل بالمال ، فلا يجوز أخذه عنها ولا الأجرة عليها.»

6

فالشخصية العلمية على النحو الذي ذكره القابسي، أقلها أن يكون صاحبها حافظا للقرآن عارفا بالخط والكتابة، وترتفع شخصيته مع تزود المعلم بعلوم العربية والنحو والشعر.

وشخصية المعلم الدينية لا شك فيها؛ لأنه يحمل القرآن وهو أصل الدين. والمعلم يقيم الصلاة ويعلمها الصبيان، وهو على مذهب أهل السنة، ولا مطعن في دينه من هذه الناحية خصوصا من جهة الجمهور.

وشخصية المعلم الخلقية مستمدة إلى حد كبير من شخصيته الدينية؛ لأن من يحفظ القرآن ويقيم شعائر الدين أقرب من غيره إلى العمل الصالح. (2) عيوب المعلمين

على أن القابسي لم ينص على رذائل في أخلاق المعلمين طالب بإصلاحها. إنما ذكر الواجب على المعلم، وضرورة انصرافه إلى عمله، وعدم الانشغال عن تعليم الصبيان بأي شيء من الأشياء؛ لأنه يتناول أجرا عن عمله، فلا بد له من وفاء ما استؤجر عليه. ومن واجب المعلم أيضا ألا يطلب فوق أجرته من الصبيان شيئا كهدية أو طعام.

وسنفصل الأحوال المختلفة التي ذكرها القابسي عن المعلمين في انشغالهم عن التعليم، وفي طلبهم الهدايا، ومنها يتبين أن النقائص الخلقية التي قد تقع من بعض المعلمين إنما ترجع لأسباب مادية.

والقابسي يعتبرها من النقائص؛ لأنه قرر أن يتناول المعلم الأجر على التعليم، فالتطلع إلى ما هو أكثر من الأجر المشترط عليه إسراف في الطمع، وإخلال بالعقد.

وقد نهى سحنون أن يطلب بعض المعلمين هدايا من الصبيان؛ لأنه: «لا يحل للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجرته شيئا من هدية أو غير ذلك، فإن أهدوا إليه على ذلك فهو حرام، إلا أن يهدوا إليه من غير مسألة.» 62-أ.

ومن العادات المذمومة أن يبعث المعلمون صبيانهم إذا تزوج رجل أو ولد له «فيصيحون عند بابه ويقولون: أستاذنا ... بصوت عال. فيعطون ما أحبوا من طعام أو غير ذلك، فيأتون معلمهم، فيأذن لهم يتبطلون بذلك نصف يوم أو ربع يوم بغير أمر الآباء. وهذا شديد الكراهية، لعل صاحب التزويج أو أبا المولود لا يعطي ما يعطي إلا تقية من أذى المعلم أو أذى صبيانه، أو من تقريع بعض الجهال، فيصير المعلم من ذلك إلى أكل السحت، ولا يفعل هذا إلا معلم جاهل.» 62-أ.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٨٢