كما فطن إخوان الصفا إلى تأثير المعلم التأثير الشديد في صبيان المسلمين.
وقد سادت في المعلمين شخصية علمية وخلقية عرفت عنهم واشتهروا بها، وسرت منهم إلى الصبيان بطريق الإيحاء والمحاكاة مما هو فطري في النفس الإنسانية؛ فالإيحاء التأثير الذي ينتهي إلى قبول الآراء واعتقادها والعمل بها، والمحاكاة التشبه بغيره في الحركات والإشارات والسلوك على وجه العموم.
ولم تكن شخصية المعلم بارزة في العلم بحيث تسمو به إلى مرتبة الأدباء أو الشعراء أو النحاة أو الفقهاء. فهو يحفظ القرآن، وما يتصل بالقرآن من العلوم الضرورية لفهمه وحسن نطقه.
ولو بلغ معلم الكتاب منزلة علمية سامية، مع سعة الذهن، ونفاذ الفكر، وقوة العارضة، لتطلع إلى مرتبة اجتماعية أسمى من مرتبة المعلمين في الكتاتيب. فقد كان الحجاج بن يوسف على ما هو مشهور معلما في الطائف، ثم أصبح من الحكام البارزين، والخطباء المفوهين، وترك صناعة التعليم في الكتاب إلى غيرها.
والمعلمون على ما ذكر الجاحظ على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة. فكيف نستطيع أن نزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب وأشباه هؤلاء الرجال يقال لهم حمقى، ولا يجوز هذا القول على هؤلاء، ولا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم.
2
لم يتكلم القابسي في رسالته على معلمي الخاصة، بل قصر الكتابة والنصيحة والحكم على معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة. وهؤلاء هم الذين ذاع عنهم الحمق فقيل في أمثال العامة: «أحمق من معلم كتاب.» وفي قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما.»
3
وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة، ويعرفون بالمؤدبين، فهؤلاء منزلتهم غير منكورة ثم أنصف بعد ذلك معلمي الكتاتيب فأبعد عنهم ذلك الوهم الذائع عنهم والحمق اللاصق بأغلبيتهم.
وقد اعتمد الأستاذ خليل طوطح على هذا الجانب السيئ الذي ذكره الجاحظ عن المعلم، فحكم على معلمي الصبيان جميعا بالحمق وقلة العقل، وأرجع السبب في ذلك: «إلى احتقار العرب للمهن التي لا تظهر فيها أعمال الرجولة كالفروسية، وإلى ما أظهره بعض المعلمين من صغر النفس والمسكنة وسخافة العقل والغطرسة على الصغار وضربهم بالعصا وإذاقتهم آلام الفلقة.»
4
ولما كان وصف المعلمين هذا الوصف غير صحيح، فالتعليل المذكور لا أساس له. وإلى جانب ذلك فليس صحيحا أن العرب احتقروا جميع المهن التي لا تظهر فيها أعمال الرجولة كالفروسية؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان الفقهاء والأدباء والشعراء وأصحاب المهن العقلية والدينية محتقرين عند العرب، والواقع يخالف ذلك.
أما ارتكاب المعلمين ما يخل بالكرامة، ففي كل طائفة، كما يقول الجاحظ، أشرافها وسفلتها، فلا يدفعنا ذلك إلى إطلاق الحكم على الطائفة بأسرها بسوء الخلق، وصغار النفس والحمق.
ويتصل الحمق بالعقل كما يتصل بالسلوك، بل هو بالعقل والتدبير، والرأي والتفكير، أشد التصاقا، وأكثر صلة. ذلك أن العمل يرجع في الغالب إلى اضطراب الرأي وعمى البصيرة، ووضع الشيء في غير موضعه الصحيح، وفساد التطبيق.
وقد يحفظ المرء القرآن، ويردده حرفا بحرف، ولفظا بلفظ، وآية بآية، ومع ذلك لا يجيد التصرف والتمييز، ويخلو من الحكمة والسداد.
ليست شخصية المعلم العقلية إذن في حفظ القرآن، بل في العمل بما جاء فيه، وفهم أسراره ومعانيه بمعرفة العلوم التي تعين على هذا الفهم.
وقد عقد القابسي الموازنة بين معلم ومعلم، وفاضل بينهما في العلم، ورفع الأكثر علما على صاحبه في الكسب إذا اشتركا في التعليم.