تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأينا كيف ترك القابسي الحرية للصبيان لأن يقوموا بكثير من الأعمال التي تصلح لتخريجهم، وبذلك تنمو فيهم المواهب الملائمة لمطالب المجتمع.

ولكن القابسي كان مقيدا بعصره، ولم يعمل على سبق الزمان وتهيئة الأجيال القادمة للتقدم والرقي، فاكتفى بإعداد الصبيان لحياة الحاضر، بل لحياة شبيهة بالماضي، فهو يدعو إلى معرفة ثقافة السلف، ويطلب التمسك بها، والنسج على منوالها، وعدم التحول عنها.

لهذا عجزت شخصية المتعلمين عن مسايرة التقدم في الحياة، إلى أن تغيرت البيئة الاجتماعية في العصور الأخيرة، لأن تكوين الشخصية على الطريقة التي يريدها القابسي مقيد بالمجتمع الذي كان يعيش فيه. وكان همه الأكبر أن يصنع شخصية دينية وخلقية.

أما الشخصية الدينية فإن تعلم القرآن والقيام على الصلاة في أوقاتها مما يكفل طبعها على ذكر الله.

والشخصية الخلقية مطلوبة على كل حال، ولو اضطرنا ذلك إلى إرغام الأطفال؛ إذ مما لا شك فيه أن الإنسان ينبغي أن يلتزم حدود نفسه، فلا يتعدى على غيره باغتصاب أو إيذاء أو ضرب أو سرقة أو أي شيء من ضروب الرذائل التي ترجع في النهاية إلى الاعتداء على شخص الغير أو ملكه، ولا يتسنى هذا كله إلا إذا ميز الإنسان نفسه، وشعر بوجود شخصه واعتقد في حريته، ومسئوليته عن أعماله.

ولا بد للإنسان إلى جانب ذلك من تكوين عادات صالحة يصبح معها من ذوي الخلق المستقيم، كالصدق والأمانة والشجاعة وحب النظام والنظافة إلى آخر هذه العادات المختلفة، مما ذكرناه عند الكلام في التربية الخلقية.

ولا يتم تكوين الشخصية الخلقية، بتشييد العادات الفاضلة، وتهذيب الضمير، إلا بالتعليم والتربية.

ويرى وليم جيمس أن التربية هي تنظيم العادات والنزعات التي ترمي إلى السلوك الحسن.

44

وقد فطن القابسي إلى أثر العادة في طبع الشخصية، فنصح بالمبادرة إلى تكون العادات الخلقية الفاضلة ليألفها الصبيان.

ومما لا شك فيه أن الكتاب الإسلامي كان له أثر كبير في خلق الشخصية القوية الملائمة للمجتمع في القرن الرابع الهجري. فالصبي بعد ذهابه إلى الكتاب يصلح لإمامة الناس في الصلاة، فضلا عن معرفة أسرار الفروض والنوافل، مما يرفع قدره ويسمو بمنزلته. وكما يتقدم إليه العامة فيكتب إليهم الكتب والرسائل. وبعض الصبيان قد يختم القرآن وهو أهم أنواع المعرفة وأوجبها، فضلا عن معرفة العربية وأيام العرب والشعر، وبذلك يتهيأ له السبيل إلى بلوغ مراتب العلماء.

الفصل التاسع

| المعلم

(1) شخصية المعلم وأثرها في المتعلم

شخصية المعلم لها أثر عظيم في عقول التلاميذ ونفوسهم، إذ يتأثرون وهم في تلك السن الصغيرة بمظهره وشكله، وحركاته وسكناته، وإشاراته وإيماءاته، وألفاظه التي تصدر عنه، وسلوكه الذي يبدو منه. والطفل أشد تأثرا بغيره من الناس من الشاب، وأسرع في كسب الكلام والحركات والتقاطها عن الذين يتصل بهم من الكبار، الذين نمت عقولهم، وصلب عودهم، وأصبحوا أقدر على التمييز والنقد والاختيار.

والوقت الذي يقضيه الطفل في الكتاب يستغرق معظم النهار، فهو يذهب إليه مع الصباح الباكر، ولا ينصرف إلى آخر اليوم.

فالصبي يتصل بالمعلم، إلى جانب صلته بغيره من الصبيان، أكثر من الصلة بآبائه وأهله. ومن الطبيعي أن يكون تأثير المعلم في نفوس الصبيان أقوى وأشد وأعمق من تأثير أهله، فهو الذي يقدم إليهم الغذاء العقلي والديني، وهو الذي يطبعهم على العادات، ويثبت فيهم آداب السلوك، وما يترتب على ذلك من نشوء الصبيان وهم يحملون في أنفسهم الآراء التي طبعوا عليها في صباهم، ويصعب فيما بعد التحول عنها.

ومما يؤيد تأثر الصبيان بشخصية المعلمين ما رواه الجاحظ

1

من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قال: «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٨٠