تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم ينس القابسي وهو يقوم على تربية الأطفال أن يمهد لهم سبيل تكوين الشخصية القوية التي يعتمد صاحبها على نفسه، ويستطيع أن ينهض بما تتطلبه حاجة البيئة ومطالب المجتمع. وعنده أنه لا بأس أن يقوم الصبيان بأعمال لها فائدة في تخريجهم.

منها أن يكتب الصبي للناس. سئل القابسي: «هل يؤذن للصبي أن يكتب لأحد كتابا؟ فقال: لا بأس، وهذا مما يخرج الصبي إذا كتب الرسائل.» 63-أ.

ومنها أن يعلم بعضهم بعضا: «ولا يحل له (أي المعلم) أن يأمر أحدا أن يعلم أحدا منهم إلا أن يكون فيما فيه منفعة للصبي في تخريجه .» 63-ب.

ومنها أن يملي بعضهم على بعض، وذلك في الأوقات التي يستغني فيها الصبيان عن المعلم: «مثل أن يصيروا إلى الكتابة، وأملى بعضهم على بعض، إذا كان في ذلك منفعة لهم؛ فإن هذا قد سهل فيه بعض أصحابنا.» 64-أ. فمن المنفعة لهم أن يملي بعضهم على بعض، وعلى المعلم «أن يتفقد إملاءهم.» 63-أ.

ومنها أن يجعل على الصبيان عريفا. والعريف هو الصبي البارز في العلم يقوم بتعليم الصبيان إذا كان في ذلك منفعة في تكوينه. وقد أجاز الفقهاء هذه الطريقة في التعليم. سئل مالك عن المعلم يجعل للصبيان عريفا فقال: «إن كان مثله في نفاذه.» 63-ب. وعن سحنون: «وأحب للمعلم أن يجعل لهم عريفا منهم، إلا أن يكون الصبي الذي قدمهم وعرف القرآن، وهو مستغن عن التعليم، فلا بأس أن يعينه، فإن ذلك منفعة للصبي.» 63-ب.

وهذا كله يتعارض مع قول مدام منتسوري من أن التربية القديمة لم تكن تحترم شخصية الطفل. ذلك أن تكليف الصبيان بهذه الأعمال كلها، مثل كتابة الرسائل للجمهور، وإملاء بعضهم على بعض، واصطناع العريف يعلم غيره من الصبيان ممن هم أصغر منه سنا وأقل علما، دليل على احترام شخصية الصبي ورفع قدره والسمو بمنزلته، إذ إنه يتخذ مركز المعلم نفسه.

ولم تكن شخصية الصبي محترمة في العلم فقط، بل في شئون الدين أيضا، فقد أجاز القابسي أن يؤم الصبي، إذا بلغ سن الاحتلام وصلح للإمامة، غيره من الصبيان في صلاة الجماعة: «لكي يتدرجوا على معرفة صلاة الجماعة.» 70-أ.

هذه حياة كلها جد، وكلها تشبه بالرجولة؛ لأن الطفل الصغير ينظر إليه كأنه رجل كبير، فيكلف أعمال الرجال.

وكانت التربية القديمة تضحي بمرحلة الطفولة في سبيل الإعداد للرجولة. وكانوا يرغمون الطفل على سلوك مسلك الرجال وتعلم أعمالهم، وإلا وقع عليه العقاب.

ومن الخطأ الاعتقاد أن سعادة الرجولة تشترى على حساب الطفولة.

حقا إن الحياة الاجتماعية فيها كثير من القسوة وتحتاج إلى كثير من الجد، ولهذا ينبغي أن يهيأ الطفل لحياة الجد حتى لا يصدم بما فيها من صعاب وعقبات في المستقبل. ولكن الجد لا يستلزم العبوس الدائم، والشدة المستمرة. وقد نهى القابسي عن العبوس في غير حاجة إليه. كما أن اللهو لا يعني المرح المتلاحق، أو اللعب الذي لا انقطاع فيه.

على أن حياة الطفولة ينبغي أن تنصرف إلى اللعب أكثر منها إلى الجد، وأن يكون قسط المرح والسرور فيها كبيرا. ذلك أن شقاء الطفولة يترك في النفس آثارا لا تمحى وذكريات أليمة تلقي على الرجل ظلا كثيفا من الكآبة والتشاؤم من الحياة.

لهذا كان من الخطأ أن نحمل الطفل في وقت مبكر متاعب الحياة وآلام العيش. إننا نخاطر بإضعاف القوى الكامنة في الفرد، بتحميلها فوق ما تطيق، فتنوء في المستقبل بأعباء الحياة الجسام. وقد أوضح روسو في كتابه (إميل) أن واجب المربين إسعاد الطفل على قدرة الاستطاعة حتى يحس الإحساس الصادق بالحياة، ويتذوق لذة الوجود.

من هذه الناحية نستطيع أن نلوم القابسي، مع التربية القديمة كلها؛ لأنه كان يأخذ الصبيان بحياة الجد، وينهى عن اللهو واللعب.

ثم إن نمو شخصية الطفل لا يتطلب المحافظة على مواهبه من الضمور والانحلال فقط، وإنما يتطلب شق الطريق أمام هذه المواهب لتتفتح وتقوى. ولا ينبغي الوقوف في سبيل الطفل، بل لا بد له من حرية العمل ليكون المجال أمامه فسيحا للظهور.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٧٩