وقد نبه الفقهاء إلى وجوب الراحة في التعليم وأثر ذلك في الصبي، كما قال الإنبابي: «وإلا كان متسببا في موت قلبه وإبطال ذكائه، وتنغيص عيشه حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا.»
32
والتربية الحديثة تهتم بأوقات الراحة. ولكن هذه الأوقات ومدتها وموضعها من اليوم المدرسي تستند إلى التجارب العلمية التي أجريت على التعب في علم النفس. (6) الفصل بين الذكور والإناث في التعليم
وقد اقتصرت الكتاتيب على الذكور دون الإناث، وفي ذلك يقول سحنون: «أكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن.» 57-أ.
وهذه القضية قديمة وحديثة. وقد استقر الرأي الآن في دول الغرب بعد البحث الطويل والمشاهدات الاجتماعية المستندة إلى الواقع على الجمع بين الجنسين في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية، ثم الفصل بينهما في مرحلة التعليم الثانوي. ويعود الاختلاط في الجامعة.
ومرحلة التعليم الابتدائي تصل إلى سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة أي قبل البلوغ، خصوصا في دول الغرب التي تتأخر فيها سن البلوغ لبرودة الجو والفصل بين الجنسين بعد هذه المرحلة، في العصر الحديث الذي بلغت فيه حرية المرأة حدا لم تصل إليه من قبل، يدل على ما يتم بينهما من فساد إذا تركت الصلة بينهما مطلقة من غير رقابة.
وفي عصر القابسي كان بعض الصبيان يستمرون في الكتاب إلى سن الاحتلام، ولهذا خشي على الإناث الفساد.
ولم يكن الخوف مقصورا على إفساد الإناث مما دعا إلى إبعادهن من الكتاب، بل شمل الخوف الغلمان أيضا، ولهذا نص على الحذر من إفساد الغلمان بعضهم بعضا: «إذا كان فيهم من يناهز الاحتلام.» 57-أ، مما يخشى معه الفساد.
وقد أشار القابسي إلى الرذائل الجنسية إشارة خاطفة دون التعمق في وصف العلاج الواجب في مثل هذه الأحوال، تاركا للمعلم حرية التصرف بحكمته وطريقته الخاصة في معالجتها.
على أن النهي عن تعليم البنت في الكتاب لا يعني أنها لا تتعلم. فقد ألزم القابسي من قبل تعليمها لضرورة معرفتها الدين والعبادات. وقد جرت العادة على تعليم البنات داخل الدور، والنساء الكاتبات والشاعرات اللاتي نجد ذكرهن في كتب الأدب أكبر دليل على انتشار التعليم بين النساء. فالعلة في منع البنات عن الذهاب إلى الكتاتيب ترجع إلى الغيرة على الأخلاق وحفظ الدين. (7) النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب الإسلامية
ومما يلفت النظر النص على عدم تعليم أبناء النصارى في الكتاتيب، وكذلك تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية. فقد كره مالك أن يطرح المسلم ولده في كتاب النصارى، ووافقه في ذلك ابن وهب وسحنون وابن حبيب. سئل مالك: «هل يعلم المسلم النصراني؟ فقال: لا. وقال: لا أرى أن يترك أحد من اليهود أو النصارى يعلم المسلمين القرآن.» 47-ب.
وتعليل القابسي لذلك يرجع إلى الآية الكريمة:
إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون (الواقعة: 77-79). فالكافر نجس، ولذلك ينهون أن يعلموا الخط العربي والهجاء حتى لا يمسوا المصحف.» 48-أ.
هذه هي القاعدة الفقهية التي حكم بها مالك وأعلام مذهبه من بعده، وتبعهم القابسي على هذا الرأي وهو تحريم تعليم النصارى في كتاتيب المسلمين، وتحريم تعليم أبناء المسلمين في كتاتيب النصارى.
وليس لنا أن نعجب لهذين الحكمين، إذا أنزلنا الروح الديني الذي كان مسيطرا على المجتمع في ذلك العصر منزلة الاعتبار. فقد كان الدين شديد السلطان على النفوس، والقرآن محترما احتراما شديدا.
ونحن إذا رجعنا إلى المسلمين الأوائل نجد أن النبي هو الذي افتدى أسرى بدر بتعليم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة، وهؤلاء الذين افتدوا أنفسهم بالتعليم من المشركين. وإذن فالنبي نفسه لم ير بتعليم المشركين أبناء المسلمين بأسا لحاجته إلى نشر الكتابة. ولما استقر الإسلام، ودخل الفرس والروم تحت راية المسلمين، لم يتحولوا إلى الإسلام دفعة واحدة. والمعروف أن كثيرا من المفكرين في صدر الإسلام أسلموا في الظاهر، وكانوا يحملون في باطن أنفسهم عقائدهم السالفة. وبعضهم ظل على النصرانية أو اليهودية أو المجوسية؛ وهؤلاء عرفوا القرآن ومنهم من كان يحفظه، والمؤكد أنهم عرفوا الخط العربي واللغة العربية، خصوصا عندما تم تعريب الأعاجم في آخر الدولة الأموية.