فإذا التمسنا العذر في نقص المنهج من درس الطبيعة، فلا عذر عن التخلف بالاهتمام بالرياضة البدنية. وإننا لنجد السلف في صدر الإسلام يعنون بألوان الرياضة التي تطبع الأطفال على الحركة وتبعث فيهم القوة والحياة والصحة؛ والنصائح كثيرة تدعو إلى الاهتمام بالرماية والسباحة وركوب الخيل.
وإهمال مثل هذا التدريب في الكتاتيب يرجع إلى أسباب: منها أن معلم الكتاب فقيه تخصص في العلوم الدينية، ويعمل على تحفيظ الصبيان القرآن والكتابة وليست صناعته الرماية والسباحة.
ولا يخفى أن الكتاب كان مكانا متواضعا لا يزيد على حجرة أو حانوت في داره، يجلس للتعليم فيه معلم واحد في الغالب. فلم تكن هناك مدرسة خاصة، ذات بناء مما تمتاز به المدارس، وفيها فناء يلعب فيه الصبيان ويتسع لهذه الحركات الرياضية المطلوب تعلمها.
وكانت الغاية القصوى من طلب العلم معرفة الله، والتطبع على الدين القويم والأخلاق الفاضلة، فصرفت الغاية الدينية أنظار الفقهاء عن الغايات الدنيوية.
وصحة الأبدان لازمة على كل حال، ولكن الرياضة البدنية لا ترمي إلى صحة البدن فحسب، بل إلى قوته وجماله ورشاقته، وهذه الغايات مما لا يدخل عند الفقهاء في حساب. (5) اليوم المدرسي والأسبوع الدراسي
أحوال الدراسة في الكتاتيب، واختيار الصبيان، وتوزيع المنهج على اليوم المدرسي وبطالة الصبيان، كل ذلك مستمد من الغاية من التعليم، وطبيعة المنهج، والحالة الاجتماعية.
فالأسبوع الدراسي يبدأ في صباح السبت، وينتهي في عصر الخميس. وبذلك يكون يوم الجمعة بطوله من أيام العطلة. «فدراسة الصبيان أحزابهم وعرضهم إياها على معلميهم في عشي الأربعاء وغدو الخميس إلى وقت الكتابة. والتخاير إلى قبل انقلابهم نصف النهار، ثم يعودون بعد صلاة الظهر إلى الكتاب، والخيار إلى العصر، ثم ينصرفون إلى يوم السبت يبكرون فيه إلى معلميهم.» 60-ب.
من هنا يتضح أن القابسي كان يعتبر الأسبوع وحدة تعليم، يراقب فيها المعلم أعمال الصبيان، ويقف عند آخر الأسبوع وقفة قصيرة ليرى مبلغ ما حصلوا.
ويدرس الصبي خلال هذا الأسبوع القرآن والكتابة وسائر العلوم الأخرى المذكورة في المنهج.
وتوزيع هذه العلوم على اليوم المدرسي يجري كالنظام الآتي: (1)
يدرس الصبيان القرآن من أول النهار في وقت مبكر حتى الضحى. (2)
يتعلمون الكتابة من الضحى إلى الظهر. (3)
ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغذاء ويعودون بعد صلاة الظهر. (4)
تدرس بقية العلوم كالنحو والعربية والشعر وأيام العرب والحساب، من بعد الظهر إلى آخر النهار.
فأول شيء يبدأ الصبي بدراسته القرآن؛ لأنه أهم العلوم، وأكثرها قيمة في المنهج، وهو المقصود من التعليم.
وكانت العادة أن ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغذاء. ذلك أن الكتاب مكان متواضع لا يشبه مدارس الدول الحديثة التي تقوم بالإنفاق على التعليم، وتنشئ أبنية مخصوصة للمدارس مجهزة بالمطاعم، وتعنى بإطعام التلاميذ.
والغالب أن الكتاب كان يقع قريبا من بيوت الصبيان، حيث كانت المدن صغيرة الحجم لا تبلغ من الاتساع ما هي عليه الآن.
وقد أوصى القابسي المعلمين بعدم حرمان الصبي الانصراف إلى بيته لتناول الطعام، مع التنبيه عليه بسرعة العودة. ونستطيع اعتبار فترة الظهر راحة من التعليم.
وبطالة يوم الجمعة الغرض منها راحة الصبيان؛ ويوم الجمعة معظم عند المسلمين كما جرت به العادة.
وبطالة الأعياد تجري حسب العرف أيضا، فقد تكون يوما واحدا في عيد الفطر، وقد تبلغ ثلاثة أيام في عيد الأضحى، وقد تصل إلى خمسة. وكذلك الشأن في باقي الأعياد التي اصطلح الناس على البطالة فيها.
ويؤذن في بطالة الصبيان من أجل الختم يوما أو بعض يوم، إجلالا لهذا الحادث المبارك في تاريخ الصبي، حيث يصبح بعده من حملة كتاب الله.