تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمما لا شك فيه أن المسلمين في القرن الأول والثاني كانوا يقومون بتعليم هؤلاء القوم القرآن والكتابة في سبيل الدعوة الإسلامية، التي لا يمكن أن تتم إلا بالتعليم والتعلم.

والظاهر أن الدعوة لنشر الإسلام ركدت بعد القرن الثاني، واكتفى المسلمون بما وصلوا إليه من فتوحات، وما صحبها من انتشار الدين، ثم انعكفوا على تثبيت العقائد من الزيغ والزندقة، التي حاول اليهود على الخصوص أن يدسوها على المسلمين.

لهذا وجد الفقهاء من السلامة أن يقفوا في وجه النصارى واليهود، وأن يقيموا بينهم وبين الإسلام سدا منيعا يحول دون النيل منه بشر أو سوء، أو تغيير وتبديل، أو تحريف وتحويل.

هذا الموقف الجديد يختلف عن موقف المسلمين في صدر الإسلام؛ فهو موقف دفاع لا موقف هجوم. ذلك أنه بعد أن اقتحم المسلمون الأوائل قلوب النصارى وغزوا عقائدهم، واجتذبوا عقولهم ونفوسهم إلى الإسلام، إذا بالمسلمين في القرن الثالث والرابع يقفون موقف الدفاع عن أنفسهم وأبنائهم من هجمات النصارى واليهود وطعناتهم المسددة إلى العقائد الإسلامية.

واستمرت حالة المسلمين في هذا الموقف الدفاعي العاجز حتى العصر الحاضر، إذ بدأ الأزهر في مصر - وهو قلب الإسلام النابض - ينفض عن نفسه غبار الضعف، ويزيل آثار الضعة والخوف، وأخذ يشق الطريق من جديد لينشر الإسلام في دول بعيدة أشد البعد عن مصر كاليابان، وأرسل البعوث الأزهرية إلى شتى الدول التي تحتاج إلى أنوار الدين منافسا في ذلك المسيحية.

ودار البحث في ترجمة معاني القرآن. وترجم القرآن فعلا إلى كثير من اللغات الأجنبية، وهي ترجمات موجودة بين أيدينا على الرغم من عدم اعتراف بعض المسلمين بها.

ثم كان من أهم آثار النهضة الأوروبية الحديثة أن اهتم الغربيون بدرس العلوم الإسلامية فظهر المستشرقون، وألفوا الكتب الحديثة في شتى المعارف الإسلامية؛ ومنهم من يختص في علوم قرآنية صميمة كالقراءات والتفسير. وهؤلاء المستشرقون على الديانة النصرانية أو اليهودية؛ ومع ذلك فهم يمسون المصاحف، ويدرسونها ويتعمقون في بحثها، وينشرون خلاصة أبحاثهم على العالم، ويستقي الشرقيون من هذه البحوث ويأخذون منها في علمهم.

ولكننا لا نقول اليوم إن الكافر نجس لا ينبغي أن يعلم الخط العربي والهجاء حتى لا يمس المصحف كما يقول القابسي.

وتفسير هذا التحول الذي يذهب إلى النقيض يرجع إلى اختلاف الروح الاجتماعي؛ فالمجتمع الإسلامي الحاضر لا ينظر إلى غير المسلمين كما كان ينظر إليهم القدماء. (8) الاستظهار

الطريقة في تعليم المنهج السابق لا بد أن تعتمد على الحفظ والاستظهار، وتعرف هذه الطريقة في علم التربية الحديثة بالتعليم اللفظي. وهذه الطريقة تختلف عن التعليم التجريبي المعتمد على التجارب والمشاهدات كما هي الحال في دروس العلوم الطبيعية، أو التعليم المهني الذي يوجه التلاميذ إلى تعلم الصناعات المختلفة.

ولم يكن معلم الكتاب مخصوصا بتعليم المهن أو درس الطبيعة.

وإنما كانت وظيفة المعلم القيام بتعليم القرآن والكتابة والنحو والعربية والشعر والحساب وأيام العرب. وهذه كلها علوم لفظية، يقرأ التلاميذ ألفاظها ويسمعونها من المعلم، وعليهم استيعابها وحفظها.

فالمنهج بطبيعته يتجه إلى التعليم اللفظي، ويعتمد على الذاكرة، على الأخص إذا عرفنا أن القرآن وهو أهم العلوم يجب حفظه بألفاظه دون تحريف أو تبديل. لهذا السبب كانت الطرق التعليمية التي أوصى بها القابسي لا تخرج عن الطرق الموصلة إلى جودة الحفظ، وعدم النسيان فيما يختص بالقرآن.

وعنده أن طرق الحفظ ثلاث: التكرار والميل والفهم.

وقد جاء ذكر التكرار في حديث عن الرسول يختص بحفظ القرآن. قال: «مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة، إذا عاهد صاحبها على عقلها أمسكها، وإذا أطلقها ذهبت. إذا قام صاحب القرآن بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه.» ويعلق القابسي على هذا الحديث قائلا: «وقد بين في هذا الحديث كيف المعاهدة التي يثبت بها حفظ القرآن ويقوى على الحفظ حتى لا يتلعثم فيه.» 21-ب.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٧٥