ورياض الأطفال كالحلوى من الدواء.
فالطفل يريد شيئا، والمجتمع يريد له شيئا آخر. والمجتمع هو الذي ينتصر آخر الأمر، فيهيئ للطفل ما ينبغي أن يتعلمه، والدليل على ذلك اختلاف المناهج باختلاف الأمم.
وكانت إرادة المجتمع في عصر القابسي أن يتعلم الطفل القرآن وما يمت إلى القرآن بصلة. وكم يفرح الأب عندما يختم ابنه القرآن، فيقدم إلى معلم الكتاب الهدايا جزاء الختمة، حتى لقد أصبح أجر الختمة واجبا على الآباء. فالآباء أنفسهم (أو الشعب على الاصطلاح الحديث) كان يطالب بتعليم القرآن، ولا يغتفر التهاون في ذلك.
ولم يكن تعليم القرآن رأي الشعب ونصيحة الفقهاء من علماء التربية فحسب، وإنما كان رأي الفلاسفة أيضا. فهذا ابن سينا يقول: «فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه، وتهيأ للتلقين، أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم الدين، وإذا فرغ الصبي من تعلم القرآن وحفظ أصول اللغة نظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجه لطريقه.»
30
وليس لنا أن نعجب من رأي ابن سينا فهو القائل في سيرة حياته: إنه ختم القرآن، وأتى على كثير من الأدب، وهو ابن عشر سنين.
ولم تبدأ دراسة العلوم الطبيعية إلا من عصر النهضة. وقد درج الأقدمون على احتقار الصناعة لأنها مخصوصة بالعبيد، أما الأشراف فلا يليق بهم إلا الاشتغال بالأعمال العقلية. كانت الحال كذلك عند اليونان كما كانت عند العرب. ثم إن تجارب المعامل وهي الأساس في كشف العلوم الطبيعية كانت تحوطها الأسرار ويغمرها السحر والشعوذة، ويهاجمها الجمهور باعتبار أن أصحابها يشتغلون بالكيمياء مما يرادف السحر في ذلك الزمان. لهذا انصرف العلماء عن البحوث التجريبية خشية التعرض لغضب الجمهور، واحتقار المجتمع، وامتهان الكرامة الشخصية.
وظهر «بيكون» في القرن السابع عشر فشق طريق التجريب أمام العلماء، ووصف طريقة الاستقراء، ونصح بالنظر في كتاب الطبيعة. ونادى روسو بنفس المبدأ وهو القراءة في كتاب الطبيعة المفتوح، لا في بطون الكتب المحبرة على الأوراق.
وهذه دعوى جديدة تطالب أولا بمعرفة الأشياء الخارجية المحيطة بالإنسان أو عالم الطبيعة، وتطالب ثانيا أن تكون الطريقة لهذه المعرفة المشاهدة والاستقراء والتجريب.
ثم استقرت المناهج الحديثة وعلى رأسها دراسة العلوم الطبيعية.
هذا التحول في المناهج ناشئ عن التطور الذي لحق المجتمع، وأهم ما يمتاز به هذا التحول الانصراف إلى عالم المادة، والنظر في سفر الطبيعة، لتسخير القوى الكامنة في أرجاء الأرض لمصلحة الإنسان.
ولم ينه القرآن عن النظر إلى الطبيعة، بل حث الإنسان على التأمل في المخلوقات في أكثر من آية، حتى يصل الإنسان من معرفة أمور الطبيعة إلى عظمة الخالق ووجوده. ولكن المسلمين لشدة غيرتهم على الدين، وخوفهم من التحول عنه، وجدوا من السلامة الابتعاد عن البحث في الطبيعة حتى لا يصرفهم ذلك عن الإيمان والعبادة.
ومن الذين هاجموا العلوم الطبيعية هجوما عنيفا، وصرفوا الناس عن دراستها الغزالي؛ للعلة التي ذكرناها قال: «الطبيعيات بعضها مخالف للشرع والدين والحق، فهو جهل وليس بعلم حتى يورد في أقسام العلوم. وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها وهو شبيه بنظر الأطباء ... وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها. فإذن الكلام كان من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية، حراسة لقلوب العوام عن تخييلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع.»
31
فإذا كان القابسي لم يوجه الاهتمام إلى العلوم الطبيعية بل أهملها الإهمال التام؛ فذلك لأن حفظ القرآن وتعلم الكتابة والنحو والعربية يستغرق كل وقت الصبيان فلا يتسع بعد ذلك لأي نوع من الدراسة. يضاف إلى ذلك أن الفقهاء كانوا ينظرون بعين الريبة إلى العلوم الطبيعية، والجمهور على هذا الرأي أيضا.