تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه المادة تعرف في المناهج الحديثة بعلم التاريخ السياسي.

وبعض علماء التربية يقدمون علم التاريخ في الأهمية بالنسبة للطفل على العلوم الطبيعية؛ لأنه أكثر مساسا بمشاعر الأطفال، وألصق بخيالهم، وأنفع في المعرفة بالماضي وما له من صلة وثيقة بالحاضر.

والطفل جزء من الحياة يتحرك في العالم الخارجي المحيط به، وسلوكه في هذا العالم استجابة للمؤثرات الخارجية؛ وهذه الاستجابة نتيجة فهم العالم وإدراك الأشياء. والعالم الخارجي بالنسبة إلى الطفل هو عالم الأشياء وعالم الإنسان. ولا بد لمن يعيش في هذه الحياة من إدراك الأشياء وحقائقها، ومعرفة الإنسان وطبائعه.

روسو وسبنسر وغيرهما ممن يبدءون بتعليم الأطفال العلوم الطبيعية يجعلون تاريخ الإنسان في المحل الثاني.

فدراسة التاريخ على أي الحالات من العلوم اللازمة لتثقيف الطفل.

والقابسي يريد من تعليم التاريخ أن يكون محركا لهمم الأطفال نحو أعمال البطولة، وباعثا لهم على أفعال الخير. والغرض من علم الرجال التشبه بالأبطال، والتشبه بالرجال من الكمال. والغاية من سير ذوي المروءات القدوة في السبق إلى الخيرات.

والمحاكاة فطرة نفسية تدفع الأطفال إلى تقليد الأعمال من غير قصد أو شعور.

وذكر الإنبابي «أن تعلم الطفل القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم، لينغرس في نفسه حب الصالحين.» وهذا المؤلف يقصر فائدة التاريخ على ناحية واحدة هي ناحية الصلاح والخير.

وتعليم السير وحكايات الأبرار وأيام العرب وأخبارها، زيادة فضل على ما جاء في القرآن من قصص الأمم السالفة وأخبار الأولين، ففيه من تاريخ الغابرين الشيء الكثير. وقصص القرآن يرمي إلى غاية دينية وخلقية، فالظلم والفساد مما يؤدي إلى الهلاك، والله هو الذي يصب على المفسدين أسواط العذاب، إن ربك لبالمرصاد. (4) نقد منهج القابسي

إذا نظرنا إلى المنهج الذي وضعه القابسي في ضوء التربية الحديثة، أخذنا عليه أمرين: الأول أنه يغفل نفسية الطفل ومراعاة مراحل نموه، والثاني إهمال العلوم الطبيعية والرياضة البدنية.

ولا يعاب القابسي إذا كان قد أغفل اعتبار الحياة النفسية للأطفال، فهو عيب العصر كله في الشرق والغرب. ذلك أن علم النفس الحديث لم يتحرر من الفلسفة إلا في عصر متأخر جدا، فقد انصرف العلماء إلى البحث عن النفس لا عن مظاهرها، ولم يعنوا بتقييد الأحوال النفسية تقييدا كاملا صحيحا يكون أساسا لتفسير سلوك الإنسان. وإلى جانب ذلك أخطأ جميع الأقدمين في نظرهم إلى الأطفال نظرهم إلى الكبار. ويرجع الفضل في تصحيح الموقف من الطفل، وبيان أن حياته النفسية تختلف عن حياة البالغين، إلى روسو في القرن الثامن عشر؛ ويعتبر كتابه (إميل) نقطة التحول في التربية الحديثة.

ومع ذلك فاحترام ميول الطفل ونزعاته عند وضع المنهج الدراسي، مما يصعب تنفيذه. فالطفل إلى سن السادسة بل السابعة يميل إلى اللعب والحركة، فهل نتركه في لهوه الحر لا نعلمه القراءة والكتابة؟ ومن من الأطفال يحب التقيد أمام الألواح والأوراق ليخط الحروف ويركب الكلمات؟ فالمجتمع يريد من الطفل حين يكبر أن يكون قد تعلم الكتابة حتى يفرغ إلى معرفة باقي العلوم التي اتسعت دائرتها إلى حد كبير مع تقدم الحضارة السريع.

أما القول بتعليم الأطفال الكتابة والقراءة عن طريق اللعب والتشويق كما هو الحال في رياض الأطفال، فهو قول ينصب على الطريقة لا على المنهج الدراسي.

ومهما يكن من شيء فالطفل لا يدرك، ولا يستطيع أن يعرف قيمة هذه العلوم المختلفة التي يلقنها، حتى نقول إن قيمة الشيء هي التي تجتذبه إلى الإقبال عليه بالرغم من تعارضها مع ميوله. فهو إذن يدرس العلوم المختلفة رغم أنفه.

إننا نقدم العلوم إلى الطفل كما نقدم إليه الدواء، فهو لا يحب الدواء ولا يدرك نفعه في الشفاء، وقيمته في جلب الصحة والعافية، وإنما يدرك شيئا واحدا هو أنه لا يميل إلى الدواء ولا يريد تناوله. ويصطنع الآباء الحيلة في تقديم الدواء، بدسه مع الحلوى، أو الوعد بعمل شيء مما يميل إليه الطفل، أو إرغامه في آخر الأمر على شرب الدواء بالعنف.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٧١