تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا يؤيد وجهة نظرنا القائلة بأن الغرض من تعليم الحساب عند القابسي هو المصلحة الدينية لا الاجتماعية. ولو كان الأمر غير ذلك لألزم تعليمه على الإطلاق، دون التعليق بشرط رضا الآباء.

وتعليم الشعر موضع جدل بين الفقهاء. وقد عرض القابسي هذا الجدال بين الأنصار والمعارضين، ثم رجح تعليمه على وجه الاختيار. فمالك وسحنون يأبيان تعليم الشعر بالأجر إذا لم يكن القصد تعليم القرآن والكتابة. وابن حبيب لا يرى بتعليم الشعر بأسا إلا أنه يكره من الشعر: «ما فيه ذكر الحمية والخنا أو قبح الهجاء.»

وقد اعتمد القابسي في تعليم الشعر على أحاديث للرسول: منها: «إنما الشعر كلام فحسنه حسن وقبحه قبيح.» ومنها: «إن من الشعر لحكمة.» وقد شك القابسي في رواية الحديث الأول، ثم أثبت حديثا ثالثا لم يشك في نسبته إلى النبي، وهو: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا.» وقد فسر القابسي هذا الحديث بأن يكون الشعر غالبا على الإنسان حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن.

ومن الفوائد التي يجنيها من يحفظ شيئا من الشعر أنه: «يقيم لسانه ويفصحه ويأنس إليه في بعض الأوقات، ويستشهد به فيما يريد بيانه.» 45-ب.

وقد عابوا على العرب إهمال الفنون في مناهج التعليم، وها نحن نرى القابسي يطلب تعليم الشعر، وهو لون من ألوان الفن. ولم يغب عن نظر القابسي قيمة الشعر الفنية وأثرها في النفس الإنسانية. ذلك أن الإحساس بالجمال، وتذوق الفن، من عوامل الراحة النفسية، أو الأنس على حد قول القابسي. وقد رأينا هذه النزعة المتجهة نحو الفنون الجميلة بادية في العناية بحسن الخط، ونحن نراها الآن في تعليم الشعر، وهو نوع من الأدب، وفرع من الفن.

وقد دار مثل هذا الجدل في العصر الحاضر حول قيمة الفن في التعليم، وفي الحياة، وهل الأهم العلوم الطبيعية أو الأدبية أو الفنية، وأثر كل ذلك في تربية الأطفال .

ويرى دوركهيم

27

أن حب الفنون الجميلة وتذوق الجمال، مما يؤدي إلى تحرر المرء من نفسه، فيخفف عنه عبء الحياة. فالفن سبيل إلى الراحة النفسية لأنه يخفي عن العين مشاغل الحياة اليومية.

ولكن ميدان الفن هو الخيال لا الحقيقة. وجمال الآثار الفنية مستمد من إحساس الفنان لا من حقائق الأشياء. ولذة الفن ناشئة عن تأثيره في الخيال لا في الحواس والعقل. ويحرك الفن الخيال إلى العمل، والخيال أكثر العمليات النفسية مرونة وأقلها جمودا. لهذا كان ميدان الفن بعيدا عن عالم الحقيقة بينما عالم الأخلاق هو الحقيقة نفسها. وهنا ينتهي دوركهيم إلى هذه النتيجة وهي أن الفن والأدب لا يصلحان أساسا للسلوك والعمل.

وقد انتهى سبنسر إلى نفس هذه النتيجة، ولهذا يجعل أساس السلوك في الحياة تعليم العلوم الطبيعية؛ لأنها تعرفنا حقائق الأشياء على الوجه الصحيح.

28

وقد أشار القرآن إلى ابتعاد الشعر عن عالم الحقيقة قائلا:

والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون (الشعراء: 224-226).

ومع ذلك فالتمييز الحاد بين الفن والعلم، والحقيقة والخيال «فيه كثير من الافتعال؛ لأن الحقيقة والخيال قطعة واحدة في عقل الإنسان؛ والفن جهد للتعبير بطريقته الخاصة عن أغوار الحقيقة وما فيها من أعماق.»

29

وقديما وحد أفلاطون بين الحق والخير والجمال في المثال الأول.

وقد كان الغرض الأول الذي يرمي إليه القابسي هو تهيئة الأطفال إلى معرفة الخير أولا وقبل كل شيء، وذلك عن طريق الفن. ولا بأس عنده بقدر من الفن الجميل إذا كان هذا القدر لا يتعارض مع معرفة الخير والعمل به.

ولهذا لم يقف القابسي في سبيل تعليم الشعر، بل نصح منه بمقدار.

ومن العلوم الاختيارية التي لا يرى القابسي ما يمنع تعليمها: «أيام العرب وما أشبه ذلك من علم الرجال وذوي المروءات.» 44-ب.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٧٠