العلوم الاختيارية هي الحساب، والشعر، وأيام العرب وأخبارها، وجميع النحو والعربية.
ومن الواضح أن هذه العلوم تختلف عن سابقتها في بعدها عن الصفة الدينية؛ وإذا كان بعض النحو والعربية مما يجب درسه، فإن هذا البعض ضروري لفهم الدين. أما جميع النحو وجميع العربية، فمما يعتبر خروجا على الغاية الدينية إلى غاية أخرى.
ولذلك كره أحمد (وهو الإمام أحمد بن حنبل) التوسع في معرفة اللغة وغريبها وأنكر على أبي عبيدة توسعه في ذلك، وقال: هو يشغل عما هو أهم منه.
20
وفي الحديث: «تعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله ثم انتهوا.»
21
ومن الطبيعي الاقتصار في المنهج على قدر من العلوم دون القدر الآخر، واختيار علوم معينة وإهمال باقي العلوم، إذ لا يخفى أن الأمم التي تضرب في الحضارة وترتفع في المدنية، تتعدد عندها المعارف والصنائع، ولا يستطيع الفرد الواحد الإحاطة بها جميعا. واختيار المنهج المناسب للطفل من بين هذا الحشد من المعرفة النظرية والعملية يتوقف على الغاية من التعليم، وعلى حاجة المجتمع، وعلى طبيعة الطفل.
ولكن المبدأ المسلم به عند جميع علماء التربية، هو الاقتصار في المنهج على بعض العلوم دون البعض الآخر.
قال المأمون يصف العلوم ويحث على التخصص: «ولو قلت إن العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا يستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا كان الأمر كذلك فابدءوا بالأهم فالمهم، وابدءوا بالفرض قبل النفل.»
22
وأهمية العلوم مسألة اعتبارية، تتوقف على الغرض المنشود والمطالب الاجتماعية، ونوع الإعداد المطلوب.
فعلم الملوك: النسب والخبر وجمل الفقه. وعلم التجار: الحساب والكتاب. وعلم أصحاب الحرب: درس كتب المغازي وكتب السير.
23
ولكن القابسي لا يريد أن يعلم ملوكا أو تجارا، أو قادة حرب وساسة دول، إنما يريد أن يعلم أبناء المسلمين لينشئوا على الإسلام، ولا يعنيه ماذا يصيرون فيما بعد.
فالمنهج الذي يذكره يخص جميع الصبيان في السن التي تسبق التخصص، سواء استكمل الصبي التعليم، أو انقطع عنه وتوجه إلى احتراف صناعة يكسب منها معاشه.
وقد يتطرق إلى الذهن أن تعليم الحساب لا صلة له بالدين. فعلماء التربية في العصر الحاضر ينصون على تعليم الحساب، إما لفائدته العملية في الحياة، وإما لقيمته في التدريب على التفكير الصحيح؛ لأن الرياضة علم العلاقات الضرورية المضبوطة.
أما فقهاء المسلمين فقد نظروا إلى الحساب من وجهة نظر دينية، وعندهم أن الحساب فرض كفاية، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها؛ وأما ما يعد فضيلة لا فريضة: «فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه، ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.»
24
ويذهب ابن رجب البغدادي مذهب الغزالي فيقول: «كذلك الحساب يحتاج منه إلى ما يعرف به قسمة الفرائض والوصايا والأموال التي تقسم بين المستحقين لها. والزائد على ذلك مما لا ينتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان وصقلها لا حاجة إليه، ويشغل عما هو أهم منه.»
25
فالغزالي وغيره يرون في معرفة الحساب مصلحة دينية. أما الجاحظ فإنه يرمي من معرفته إلى النفع الاجتماعي وضبط الحضارة والعمران. وفي ذلك يقول: «وأما القول في العقد وهو الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته، وعظم قدر الانتفاع به قول الله عز وجل:
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (يونس: 5). والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة. وفي عدم اللفظ، وفساد الخط، والجهل بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله عز وجل لنا قواما ومصلحة ونظاما.»
26
ولا ندري أأراد القابسي من تعليم الحساب المصلحة الدينية أم الاجتماعية أم كليهما معا. وأكبر الظن أنه يرمي إلى نفع الحساب في كمال المعرفة الدينية الصحيحة على مذهب الفقهاء وهو في ذلك يقول: «ينبغي أن يعلمهم (أي المعلم) الحساب، وليس ذلك بلازم له، إلا أنه يشترط عليه.» 44-أ.