تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحفظ القرآن يزيد في معرفة الإنسان لله، لما جاء فيه من آيات دالة على الوحدانية، دافعة إلى الإيمان الصحيح، وما فيه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، ووصف للجنة والنار، وما فيهما من نعيم وعذاب.

وفي الأثر أن الرسول كان يقرأ في الصلاة سورا طويلة بأكملها، كالبقرة وآل عمران والنساء؛ وعلى ذلك جرى الصحابة والتابعون. وقد كان القابسي أمينا على هذه السنة فقرر أن القرآن في الصلاة خير من القرآن في غير صلاة. لهذا لم يكن من الغريب أن يسعى الناس إلى تحفيظ أبنائهم القرآن بأكمله، تبركا به كما يقول ابن خلدون، وزيادة في القرب من الله على رأي القابسي.

على أن المعرفة الصحيحة للقرآن تستلزم العلم بالنحو لإعراب الكلمات إعرابا صحيحا، والعلم باللغة العربية لفهم معاني القرآن، والعلم بالهجاء والخط لكتابته والنطق به صحيحا.

والإعراب يميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين.

14

وذكر القابسي عن ابن وهب: «أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويصلح بها منطقه؟ قال: نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك.» 46-أ.

وقد نص الله في أول سورة نزلت على فضل القلم والكتابة فقال:

اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 1-5). فنبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا.

15

فالنحو والعربية والخط من «معاني التقوية على القرآن.» 43-أ. وتعليمها واجب على المعلم كما نقل القابسي عن ابن سحنون: «فإنه ينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن، ذلك لازم له، والشكل والهجاء والخط الحسن.»

والاهتمام بحسن الخط كان عادة جارية في بلاد المغرب، وهو يدل على تذوق الجمال، والعناية بالكمال والإتقان. ولا ننسى أن المسلمين كرهوا بل حرموا تصوير ذي الروح لما فيه من تشبيه بالوثنية، ولهذا السبب اتجه الروح الفني عندهم إلى الزخرفة الهندسية، والبراعة في رسم الخط على أشكال مختلفة جميلة. والآيات القرآنية المسطورة على جدران المساجد شاهد على الإبداع في الفن. لهذا حلت العناية بحسن الخط في برامج الدراسة الإسلامية محل الرسم والتصوير عند غير المسلمين.

ويرى ابن خلدون أن حسن الخط يتصل بالحضارة، ورداءته بالبداوة: «لذلك كان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع.» ثم ترقت الخطوط لما استبحر الإسلام في العمران ... «وكان الخط البغدادي معروف الرسم، وتبعه الإفريقي ويقرب من أوضاع الخط المشرقي، وتميز صنف الخط الأندلسي.»

16

والإجادة في الخط، والحذق في رسم الحروف طبقا لقوانين وأشكال متعارفة، مما يؤدي إلى ضبط القراءة والبعد عن التحريف. ولا تخفى أهمية ذلك في قراءة القرآن خاصة؛ لأن التبديل في كلمات القرآن مما يأباه الدين وينهى عنه. فإذا صارت الخطوط مائلة إلى الرداءة، بعيدة عن الجودة «صارت الكتب إذا انتسخت؛ فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة، لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف.»

17

وقال صاحب (الإتقان): «يستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها.»

18

ونذكر لهذه المناسبة أن: «أهل المشرق لا يعلمون الصبيان الخط في المكاتب بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراد، كما تتعلم سائر الصنائع. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة.»

19

من الطبيعي إذن أن ينص المنهج الإجباري على تعليم القرآن والصلاة والدعاء والكتابة والنحو وبعض العربية، فكلها ترمي إلى غاية واحدة هي معرفة الدين والعبادات مما هو مفروض على المسلمين كافة. (3) العلوم الاختيارية في المنهج

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٦٨