إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (فاطر: 29). وهنا نرى الجمع بين تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، والإحسان، وهي أهم واجبات المسلم.
والقرآن مرجع المسلمين في معرفة العبادات والمعاملات، ولا سبيل إلى معرفة الحدود الشرعية الصحيحة للديانة إلا بمعرفة الأصل الأول من أصول الدين، وهو القرآن.
إلى جانب ذلك، فإن الصلاة، وهي ركن مهم من أركان الدين، لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن فيها، فمعرفة القرآن ضرورية لأداء الصلاة المفروضة. وأقل جزء من القرآن تصح به الصلاة عند المالكية هو الفاتحة.
قال الدردير في (شرح مختصر خليل في فقه المالكية): «وإن كانت الفاتحة من فرائض الصلاة، فيجب على كل مكلف تعلمها إن أمكن بأن قبل التعلم، ولو في أزمنة طويلة وأيام كثيرة. ويجب عليه بذلك وسعه في تعلمها إن كان عسير الحفظ في كل الأوقات إلا أوقات الضرورة، ووجد معلما ولو بأجرة.»
10
وللقرآن فضائل كثيرة، وللنبي أحاديث تفيض بهذا الفضل، مثل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه.» وفي ذلك حث على تعلمه وتعليمه. وقد أطال فقهاء المسلمين الذين كتبوا في التربية في ذكر فضائل القرآن، وألف بعضهم كتبا منفصلة ورسائل خاصة في هذا الموضوع.
وقد انتهى الأمر بالفقهاء إلى فرض تعليم القرآن، فقال صاحب (مفتاح دار السعادة): «اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة لئلا ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه التبديل ولا التحريف. وتعليمه أيضا فرض؛ وهو من أفضل القرب؛ ففي الصحيح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».»
11
والقابسي وبعض من الفقهاء يبدءون في المنهج بتعليم القرآن، وكانت هذه هي العادة المتبعة. وقد أراد أحد العلماء وهو أبو بكر بن العربي أن يؤخر تعليم القرآن، وأن يبدأ الصبي بتعلم الشعر والعربية ثم الحساب، فأنكر عليه ابن خلدون ذلك قائلا: «وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه، وهي أملك بالأحوال. ووجه ما اختصت به العوائد من تقديم دراسة القرآن إيثار التبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن.»
12
وقد جرت العادة أن يتعلم الصبيان جميع القرآن، ويعرف هذا بالختمة. على أن ختم القرآن لم يكن واجبا، فقد يكتفى بثلاثة أرباع أو ثلثي أو نصف أو ثلث أو ربع القرآن، حسب طاقة الصبي والظروف الخارجية الأخرى.
ويشترط القابسي في تعليم القرآن: حسن الترتيل، وجودة القراءة، وحسن الوقف، والأخذ عن مقرئ حسن؛ وهو ينصح بقراءة نافع.
أما تعليم الصلاة فهو فرض عين على جميع المسلمين، كما ذكر الفقهاء الذين قسموا الفرض قسمين: فرض عين وفرض كفاية. ولذلك قال القابسي: ينبغي للمعلم أن يعلمهم الصلاة إذا كانوا بني سبع، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر. ويلزمه أن يعلمهم الوضوء للصلاة، وعدد ركوعها وسجودها، والقراءة فيها، والتكبير والإحرام، والسلام. والقابسي لا يكتفي بتعليم الصلاة المفروضة، وإنما يذكر أنه: «ينبغي أن يعلمهم سنن الصلاة حتى يعلمهم دينهم، الذي هو تعبدهم الله عز وجل وسنة نبيهم.»
فالصلاة هي الواجب الديني المفروض على الذكور والإناث. وقد سمى النبي عليه السلام الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة .
13
ولا عذر في التخلف عن الصلاة. وفي ذلك يقول الإنبابي: «وأن لا يسامح (أي الصبي) في ترك الطهارة والصلاة ونحوهما.»
ومن الأمور التي يرى القابسي وجوب تعليمها الدعاء: «ليرغبوا إلى الله عز وجل، ويعرفهم عظمته وجلاله، ليكبروا على ذلك.»
والصلاة مع أنها عبادة فيها ركوع وسجود لا تخلو من الدعاء، وقد جمع الله بين العبادة والدعاء في فاتحة الكتاب قائلا:
إياك نعبد وإياك نستعين (الفاتحة: 5). فالجمع بين وجوب تعليم الصلاة والدعاء والقرآن ليس غريبا؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تجمع بين الفكر والوجدان والعمل، وترمي إلى غرض واحد هو معرفة الله معرفة صحيحة كاملة، والإيمان به إيمانا صادقا، ولا يتم ذلك إلا بالعبادة والحمد والشكر والتسبيح، والالتجاء إليه بطلب الهدى والحرمة، وكشف المصيبة والغمة.