أما الخلاف الذي ذكره ابن خلدون في طريقة التعليم فهو خلاف في المظهر لا الجوهر. فبعض الأقطار كان يقدم تعليم الخط على تعليم القرآن، والبعض الآخر كان يبدأ بتحفيظ القرآن، يصحبه تعليم الخط أو يتأخر عنه قليلا. أما الجوهر الثابت الذي لم يلحقه التغيير منذ ظهور الكتاتيب حتى عصور متأخرة، بل حتى العصر الحاضر، فهو تعليم القرآن والصلاة، وما يصحب ذلك من معرفة القراءة والكتابة وبعض النحو والعربية.
ففي القرن الثامن الهجري، نجد الحافظ ابن رجب البغدادي يصف المنهج على النحو الآتي: «فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم في مسائل الحلال والحرام والزهد، والرقائق والمعارف وغير ذلك.»
7
ولا نزال في العصر الحاضر، في مصر وفي الأقطار العربية الأخرى، نشهد هذا اللون من التعليم في الكتاتيب. وقد سجل الدكتور طه حسين في كتابه (الأيام) صورة واضحة لحياة الكتاب في العصر الحاضر لا نعتقد أنها تختلف عن تلك التي كانت جارية في عصر القابسي.
والمشاهد الآن
8
في مصر وجود نوعين من التعليم الأولي، يسيران جنبا إلى جنب: النوع القديم الذي يعتمد على تعليم القرآن والكتابة في الكتاتيب، والنوع الحديث الذي يضيف إلى جانب ذلك مبادئ الحساب ومبادئ العلوم.
وسينتهي الأمر بالكتاتيب القديمة إلى الزوال عندما يطبق التعليم الإلزامي عن طريق الدولة، فيزول آخر مظهر من مظاهر القديم.
هذا التحول الجديد دليل على تغير الحياة الاجتماعية، ودليل على مسايرة الشرق للحضارة الحديثة، والتقدم العالمي السريع.
على أن ثبات المنهج الدراسي هذه الفترة الطويلة من الزمان يحتاج منا إلى تفسير؛ فالعلة في هذا الثبات ترجع إلى سلطان التقاليد على المنهج، والخضوع للتراث الموروث. وتأثير التقاليد الميل بالمنهج إلى المحافظة، والنصوص الثابتة هي التي تحفظ المنهج.
9
والقرآن نص المسلمين الثابت، وكتاب الله لا مبدل لكلماته.
وستبقى برامج تعليم الصبيان عند المسلمين ثابتة، ما دام المسلمون متمسكين بدينهم وكتابهم، إلا إذا اكتفى الناس بقدر يسير من الدين، حتى يفسح المجال لدرس العلوم الحديثة كما هو واقع الآن.
أما القابسي فإنه لا يقبل التهاون في تعليم القرآن، ويستعيذ بالله: «أن يتفق المسلمون على ترك القيام به، ولو كان كذلك لكانت الهلكة المبيرة، فأعوذ بالله من غضبه، ومن أن ينتزع كتابه من صدور المؤمنين.» 31-ب.
هذه البيئة الدينية المستغرقة في الشعور الديني قد تغيرت الآن حتى بلغت حد التقابل في بعض الممالك الغربية، التي خلعت رداء الدين، وعادت بالمدارس إلى اللا دينية المطلقة. وهذا الاتجاه الحديث يحمل روح الثورة على التقاليد، فلا ندري أتفلح هذه الثورة فيلغى الدين، أم تنتصر المبادئ الروحية على الموجة المادية الطاغية فيعود الدين إلى مكانته.
وإننا نسوق هذه المشاهدات والوقائع من الماضي البعيد إلى الحاضر القريب، لنبين أن مناهج التعليم تستمد وجودها من التيارات الفكرية التي تسود المجتمع.
وقد كانت البيئة الاجتماعية في عصر القابسي بيئة دينية بعيدة عن الروح المادي والنزعة الإلحادية، ولهذا ليس من الغريب أن يكون القرآن والصلاة وما يتصل بالقرآن من علوم ضرورية لفهمه، أول ما يتجه الناس إلى تعليمه لأبنائهم. والقابسي يؤيد هذه الطريقة ويقرها ويطالب بدوام الاستمرار عليها. (2) العلوم الإجبارية في المنهج
القرآن هو أول العلوم التي ينبغي أن يدرسها الصبيان، بل هو المحور الذي يدور عليه التعليم في الكتاتيب.
ووجه الضرورة في تعليم القرآن عند القابسي، وعند غيره من الفقهاء، ترجع إلى أسباب كثيرة: القرآن كلام الله، وقد حث الله العباد على تلاوته على غير آية، ذكر بعضها القابسي، مثل: